«جورج اورويل وايفلن وو» ينتميان كما يقدمهما المؤلف «دافيد ليبيدوف»، إلى نفس الوسط الاجتماعي، أي الطبقة الوسطى الانجليزية. و«تركا بصماتهما على اللغة والأدب الانجليزيين بالمعنى الواسع للكلمة» كما يضيف مؤكدا على دورهما كذلك في صياغة نوع من «الوعي الاجتماعي» خاصة من حيث تعرّضهما في مجمل أعمالهما الروائية ل«تشريح» أوضاع النخب في مختلف الميادين والأنشطة العامة.
نال جورج اورويل شهرة عالمية واسعة من خلال روايتيه «1984» التي صدرت عام 1948، وكل ما فعله اورويل هو أنه «قلب نسق» الرقمين الأخيرة كي تتغيّر ال«48» إلى «84» ثم أخذ بوصف حالة العالم في أفق منظور التاريخ «الجديد» وحيث بدا توصيفه قريبا جدا إلى الواقع بعد ما يزيد عن 30 سنة، وروايته الأخرى «مزرعة الحيوانات».أما ايفلن وو، فشهرته العالمية أقل من اورويل، لكن هذا لا يمنع واقع أنه «نجم حقيقي» في بريطانيا. وهو سليل أسرة عريقة بالكتابة فوالده «ارتور» كان «ناقدا أدبيا» معروفا، وأخوه «أليك» أحد الكتّاب البريطانيين المشاهير في مجال أدب الرحلات. أما ايفلن نفسه فقد كان طالبا «كسولا».
عمل في بداية حياته بالتدريس وحاول عام 1925 الانتحار ثم مارس عدة مهن من بينها «نجّار متدرب» و«صحفي». وذلك حتى نشر روايته التي حملت عنوان: «العظمة والانحطاط» والتي كانت نسيجا من الخيال ومن سيرة حياته الشخصية.
وما يؤكده المؤلف هو أن تلك الرواية لاقت نجاحا كبيرا دفع صاحبها «فجأة» إلى مقدمة المسرح الأدبي البريطاني وفتح أمامه أبواب «علية القوم» في لندن.
لكن ذلك لم يمنعه من الابتعاد عن تلك «الأجواء الفاسدة» والتي كانت قد أدارت له ظهرها عندما عانى من الفشل المدرسي في البداية. إنه لم يبتعد عنها فقط ولكنه سخر منها كثيرا في رواياته، وذلك على أساس نفس الذهنية التي تحرك من خلالها جورج اورويل كذلك.
ويرى المؤلف أن «ايفلن وو » أمضى عقدا كاملا في أسفار نقلته عبر العديد من بلدان آسيا وأميركا اللاتينية، ولم يعمل خلالها سوى «الكتابة». وكان اورويل، من جهته، قد «تصعلك» طويلا في باريس حيث أمضى الليالي الطويلة على أرصفة محطات «المترو» مع أولئك المتشرّدين الذين «لا سكن دائما لهم».وكانت الحرب العالمية الثاني هي الحدث الكبير في حياة «ايفلن ووغ» الذي كان هو نفسه قد أمضى فترة قصيرة ك«ضابط» في الجيش البريطاني.
كما حصل على «وظيفة» في إطار جهاز الاستخبارات التابع للبحرية الانجليزية بفضل علاقاته مع «رودلف تشرشل» ابن رئيس الوزراء «ونستون تشرشل»، لكنه لم يستمر طويلا في العمال الاستخباراتي إذ قرر الانخراط في المجموعات الانتحارية «الكوماندوس» البريطانية حيث شارك في تحرير جزيرة «كريت» عام 1941.
ويشير مؤلف هذا الكتاب إلى العديد من التباينات بين جورج اورويل وايفلن ووغ، رغم منشأهما الطبقي الواحد وولادتهما في نفس السنة (1903)، كما يؤكد على الدور الذي لعبته «المنظومة الاجتماعية والثقافية» البريطانية في توجيه مصيرهما. فهذا وذاك كانا قد واجها أثناء فترة الدراسة الابتدائية نوعا من «الاضطهاد» من قبل زملائهما من أبناء الطبقة الأكثر ثراء.
لكن الظروف الدراسية «اللاحقة» كانت أكثر سهولة ويسرا بالنسبة لووغ مما كانته بالنسبة لاورويل. ذلك أن «ووغ» حصل على منحة دراسية في «معهد هرتفورد» باكسفورد واجتمعت أمامه جميع الظروف كي يصبح أحد أفراد «نادي الأرستقراطيين» كانت «اكسفورد» هي أحد «أفضل الأوساط» من أجل بلوغ ذلك الهدف. بل ويشير المؤلف إلى صداقات عديدة جمعت ايفلن وو مع أبناء بعض أكثر البريطانيين ثراء مثل «بريان غينيس» ابن صاحب معامل الجعة «البيرة» التي تحمل نفس اسم العائلة.
وفي الوقت الذي تخلّى فيه «ايفلن وو» عن جميع «الامتيازات» التي كان يمكن ل«أوساط النخبة» أن تمنحها له، كان اورويل في غاية الإحباط والغضب من النظام الامبريالي وما يفرضه من مظالم على اولئك الذين يقعون تحت نير سطوته. ذلك كان هو الدرس الأساسي الذي تعلّمه من خدمته ك«شرطي بريطاني» في برمانيا.
كان ذلك «الاضطهاد» قد أعاد إلى ذهنه ما عاشه عندما كان تلميذا في المدرسة. وكانت هوّة الخلاف كبيرة أيضا من حيث الأوضاع التي آلت إليها حياة ايفلن وو الذي عرف بعد «تجربته المدرسية المتواضعة» نجاحا كبيرا على المستوى الأدبي الاجتماعي بعد نشر روايته الأولى «العظمة والانحطاط» بينما تدهورت الأوضاع المعيشية لجورج اورويل كي تنتهي به إلى أن يصبح «متسولا» أو «غاسلا للصحون في أحد الفنادق الباريسية الراقية». وكان اورويل قد شارك في الحرب الأهلية الاسبانية حيث كاد أن يفقد حياته خلالها.
وكان يجمع الاثنان أيضا «عدم حبهما للحداثة» وقد عارضا، كليهما، بقوة «المنظومات السياسية الشمولية-التوتاليتارية». ويشير المؤلف إلى أن الكاتبين قد فهما أن الازدهار الاقتصادي وثمرات الحداثة لن يؤديا، بالضرورة، إلى إيجاد حلول للبحث عن العدالة الاجتماعية ولن ينهيا الصراع الطبقي أو يستجيبا للمتطلبات «الروحانية».
في المحصلة وبعد أن يقدم المؤلف «جردا» لنقاط التباين العديدة بين اورويل وو، والخلاف في طباعهما وأذواقهما ومصالحهما، يؤكد على أن كان لهما نفس الرؤية للمشاكل المعاصرة وأن المنظور المستقبلي لأعمالهما الأدبية يضعهما في إطار «إنسان واحد» في الحب والحرب.
الكتاب: نفس الإنسان: جورج اورويل وايفلن وو
تأليف: دافيد ليبيدوف
الناشر: راندوم هاوس لندن 2008
الصفحات: 288 صفحة
القطع: المتوسط
The same man : George Orwell and Evelyn waugh
ffodebeL divaD
nodnoL - ssuoH modnaR
2008
P.288
