«في الطريق نحو المجهول» كتاب أثار الكثير من الاهتمام حتى قبل صدوره فالمؤلف نيكولا بافوريز «سلطة» في المجال الاقتصادي وكان يكفي الإعلان عن خبر صدور كتاب له قريباً كي يهتم به المختصون، هذا خاصة أن الموضوع الذي يتطرق له يتسم بقدر كبير من الراهنية، ذلك أنه يتعرّض للتبدلات التي يشهدها العالم اليوم.

النظرية الأساسية التي يطرحها نيكولا بافوريز تتمثل في القول ان «السيطرة الغربية قد انتهت» وأن «عالماً متعدد الأقطاب» يبرز شيئاً فشيئاً، لكنه لا يزال «غير واضح المعالم»، ومن هنا يأتي عنوان الكتاب «في الطريق نحو المجهول».يشرح نيكولا بافوريز في البداية تحت عنوان «النزاعات تتزايد في الأرض» ان تاريخ القرن الماضي (العشرين) قام بصورة رئيسية على «النزاع داخل العالم العربي بين الأمة والامبراطوريات، وبين الديمقراطية والأنظمة الشمولية والتوتاليتارية». ويركز في هذا السياق القول ان الولايات المتحدة الأميركية قد «انتصرت في الحروب العالمية الثلاث التي انتهت الحرب الأخيرة منها عام 1989»، أي «الحرب الباردة» التي حُسمت لصالح أميركا يوم انهيار جدار برلين في مطلع شهر نوفمبر من عام 1989.

وإذا كان القرن العشرين هو قرن النزاعات فإن المؤلف يرى أن القرن الحادي والعشرين يبدو أكثر تعقيداً وأكثر اضطراباً، وحيث انه «لم يكن من المستبعد منذ عام 2007 أن تعمّ الفوضى». هذا في الوقت الذي تبرز فيه أكثر فأكثر السمات «العقائدية والثقافية» للنزاعات التي تجعل العالم اليوم «أكثر خطورة».

هذا بالإضافة إلى السمات «التاريخية» للنزاع بين «شمال يعاني من انحطاط نسبي وجنوب هو بصدد استعادة مواقعه بتسارع متزايد».

كما يشير نيكولا بافوريز إلى ما يعتبره السمات «السياسية» في نزاع تتواجه فيه الديمقراطيات ودول القانون من جهة، مع مجموعة من الأنظمة التي ترفض التعددية والحريات الفردية من جهة أخرى، وإلى سمات «إيديولوجية» بين أنصار المجتمع المفتوح وحملة مباخر الأمة باعتبارها صيغة سياسية لا يمكن لأحد تجاوزها، وسمات «اقتصادية» بين اختيار السوق أو الدولة، وأخيراً سمات «بيئية، ايكولوجية» بين دينامية النمو الاقتصادي بأي ثمن ودينامية التنمية المستدامة.

ويؤكد نيكولا بافوريز في محور آخر للتحليلات التي يقدمها ان «الرأسمالية أُصيبت بالصميم»، وذلك بالتوازي مع «تراجع الديمقراطية» أمام «التزمّت العقائدي» أو أمام «التوجهات الدكتاتورية».

ويعدد المؤلف في هذا السياق عدة أمثلة لأسباب «انحسار» الديمقراطية، إما بانقلاب عسكري كما في تايلاند ورومانيا، أو في حرب أهلية كما في لبنان وساحل العاج. أمام مثل هذا الواقع يطالب المؤلف بضرورة أن ينتهج «العالم الحر» سبلاً جديدة تتواكب مع متطلبات العصر الراهن. يقول «علينا أن نكفّ عن التفكير والتصرّف بنفس أطر ومقولات القرن العشرين. إن تاريخ القرن الحادي والعشرين يخيّم القلق والتبدل والقطيعات والمفاجآت من كل الأنواع».

ولا يتردد نيكولا بافوريز في توجيه الاتهام للأزمة الاقتصادية، خاصة في جانبها المالي، التي بدت ملامحها منذ عام 2007 بسبب سياسات القروض والفوائد في أميركا. تلك الأزمة لم تصب برأيه «قلب الرأسمالية العولمة» فحسب، ولكنها شككت أيضاً بسياسات التنمية كلها وبآليات ضبط النظام المالي الدولي.

نقرأ: «مع الأزمة المالية التي اندلعت في أميركا عام 2007 انتهت دورة اقتصادية وموديل اقتصادي. أما المطلوب اليوم فهو ضرورة إعادة تحديد المعايير القانونية والمالية، وآليات المحاسبة للرأسمالية المعولمة» وذلك في منظور الإنذار إذا تمّت ممارسة سلوكيات مخالفة للمنظومة الأخلاقية بل وفرض عقوبات ضدها».

وبعد أن يؤكد المؤلف على ضرورة «التخلص من وهم إمكانية توصل الأسواق إلى عملية ضبط ذاتي» لا يتردد المؤلف في التأكيد أن «الغرب مهدد»، ويشير إلى ما يسميه «انتشار العنف إلى جانب تعاظم النزاعات على أساس «القيم» و«الثقافات».

أضف إلى هذا واقع تراجع الغرب منذ بدايات القرن الحادي والعشرين في مواجهة القوى الصاعدة، وأيضاً تراجع الزعامة الأميركية. وإذا كان «التهديد السوفييتي» قد زال، فإن أشكالاً جديدة من «التهديدات» قد برزت، خاصة في آسيا حيث تشكل أفغانستان اليوم أحد أكثر «المساحات» تهديداً في العالم.

وفي المحصلة يشرح الكاتب نيكولا بافوريز واقع «نهاية عدة دورات» في مطلع هذا القرن الحادي والعشرين، ويصفها أنها «دورات تاريخية طويلة» وفي مقدمتها «الدورة التاريخية» للسيطرة المطلقة للغرب على العالم منذ القرن السادس عشر، و«الدورة الفكرية» لعصر التنوير الذي يمثله خاصة القرن الثامن عشر والذي تميز، حسب تحليلات المؤلف، بـ «الفصل بين العقد الاجتماعي الذي ينظّم الحياة الداخلية للأمم وبين غابة العلاقات الدولية»، كما تميّز باحتكار الدولة للحياة السياسية.

أما الدورة الثالثة التي «انتهت» فيحددها المؤلف بـ «الدورة الاقتصادية» لرأسمالية جرى تنظيمها حول سيطرة مركز محدد. ومع نهاية هذه الدورات «الطويلة» تدخل الإنسانية في «عصر كوني ـ يونيفرسال». ويصفه أنه «عصر يشترك فيه البشر جميعاً، لكنه لن يكون بالضرورة عصراً سلمياً ومزدهراً وسعيداً وهادئاً».

ويخلص نيكولا بافوريز إلى القول: «إن مصير هذا القرن سوف يتعلق إلى حد كبير بإرادة الأمم والشعوب وبنفاذ بصيرتها وحكمتها».

الكتاب: في الطريق نحو المجهول

تأليف: نيكولا بافوريز

الناشر: بيران باريس 2008

الصفحات: 190 صفحة

القطع: المتوسط

En routevers l'inconnu

zerevaB salociN

8002 siraP - nirreP

091.P