«النموذج الجديد للأسواق المالية» هو الكتاب الذي سبق صدوره انفجار الأزمة المالية الأخيرة في الولايات المتحدة وإعلان عدة مؤسسات مالية ومصرفية كبرى إفلاسها، وليس أقلها شأنا بنك ليمان للاستثمار. من هنا تأتي أهمية تحليلات هذا الكتاب السابقة للأزمة إنما التي تلقي أضواء كثيرة على الأسباب العميقة التي أدّت إلى انفجارها.

وفي خضمّ الهزّة الكبرى التي تواجهها الرأسمالية المالية العالمية، والتي يرى المؤلف جورج سوروس أنها «الأكبر» و«الأكثر جديّة» منذ الأزمة العالمية الكبرى لعامي 1929-1930 ومن الملفت للانتباه أن المؤلف رجل الاقتصاد لا يكتفي بالتعرض للأزمة المالية الراهنة ولتحليل أسبابها ولكنه يقدّم مجموعة من الاقتراحات حول السياسات التي ينبغي انتهاجها من أجل مواجهتها.يرى جورج سوروس أن الأزمة المالية التي كانت سياسات الولايات المتحدة الاقتصادية والمالية، ومغامراتها العسكرية غير المحسوبة، هي التي شكّلت القاعدة التي قامت عليها، إن وجدت في سياسات الاقتراض والفوائد «المتأرجحة» دون أية ضوابط حقيقية «الصاعق» الذي فجّرها «فيما بعد».

هذه هي النتيجة التي يتوصل إليها المؤلف من خلال دراساته لعدة عقود من السلوكيات الفردية والمؤسساتية في أميركا. ويؤكد أنه كان لابد لتلك «المقدّمات» الخاطئة إلا أن تؤدي إلى «تفجير» الدورات الاقتصادية الطبيعية التي تتحكم بالنشاط الاقتصادي العالمي».

ولا يتردد المؤلف في الإعلان عن قناعته الثابتة أن سياسات القروض والفوائد الأميركية المبالغ بها و«انفجار فقاعة» سوق البناء كانت بمثابة «الأعراض الأولى لأخطر أزمة اقتصادية يواجهها العالم منذ مطلع سنوات الثلاثينات في القرن الماضي». ويشير إلى أن «خطورتها» هي التي دفعته إلى «الإسراع» بنشر كتابه بعد أن تفاقمت الأزمة التي يحدد بداياتها الأولى في سنوات الثمانينات المنصرمة و«انتصار أصولية السوق»، حسب التعبير الذي يستخدمه.

ما يؤكده جورج سوروس هو أن حقيقة الأزمة المالية برهنت قبل كل شيء على مدى خطورة «موديل» الرأسمالية المالية «العشوائية» ومدى «الخداع» الذي تتضمّن عليه حيث أنها تدفع النظام المالي العالمي كله كي يغدو «في عين التنين».

أما نتائجها الأولى المباشرة فيتم تحديدها بالقول أن المستهلكين الأميركيين من «استهلاك أكثر مما ينتجون» مثلما كانوا يفعلون أصلا بالاعتماد على «الاقتراض بلا حساب» وخارج أي «منطق» اقتصادي سليم. بالتالي سوف يكون على هؤلاء المستهلكين الأميركيين «تغيير الذهنيات» التي تحكم سلوكياتهم.

وتتمثل إحدى الأطروحات التي تتردد على مدى صفحات هذا الكتاب بالقول أن «الأسواق لا تميل بشكل عفوي نحو تنظيم نشاطاتها وضبطها». هذا «الضبط» يتم عمليا عبر تشكيل «مجموعة من الفقاعات» التي تنتفخ أكثر فأكثر حتى تنفجر». ويشير المؤلف ـ الخبير الاقتصادي هنا إلى أن كل «فقاعة» من هذه الفقاعات تتناظر من جهة مع «اتجاه حقيقي سائد» ومن جهة أخرى مع «تفسيرات خاطئة» لها هي بالتحديد إلى تدفعها في الاتجاه غير الصحيح عبر عمليات «المضاربة».

ويشير المؤلف إلى أن «أصوليي السوق» الذي يولونه «ثقة عمياء» يعتقدون دائما أن الأسواق قادرة على «الانضباط الذاتي». هذا «خطأ» يقول لهم جورج سوروس. ذلك أن «الفقاعة» المالية التي أنتجتها المضاربات في مجال القروض والبناء وعبر استخدام مختلف «أدوات الاحتيال المالي» لمدة تزيد على 25 سنة كان لابد أن تتفجّر بقوة، بينما كان «أنصار السوق» يعتقدون أن «الخلل» عابر، أو ربما «من قبيل الصدفة.

أما ما يراه المؤلف مطلوبا اليوم فهو عبارة عن «برنامج إصلاحي»، مع التأكيد على ضرورة أن تتدخّل الدولة ل«منع أسباب البناء من التدهور أكثر بكثير من الزيادة الكبيرة التي شهدتها في الفترة التي سبقت الأزمة.

ويؤكد على أنه من المهم جدا «تجنّب»عمليات بيع البيوت ومختلف الأبنية «المرهونة» بسبب عدم قدرة أصحابها على تسديد القروض «ذات الفوائد العالية» التي كانوا قد التزموا بها عند الشراء.

بكل الحالات يرى جورج سوروس أنه لا بد من «التفاوض» حول «القروض» في مجال البناء وحول «عمليات الرهن» من أجل تجنّب طرد أعداد كبيرة من أماكن سكنهم. مثل هذه الإجراءات الخاصة ب«التفاوض» لا تعجب عالم «الأعمال» ولكنها أصبحت ضرورة لا بد منها، إن جورج سوروس يساهم في واقع الأمر، من خلال هذا الكتاب، بالنقاش السائد في الغرب اليوم حول «الفوضى الاقتصادية» التي تشهدها البلدان الرأسمالية الكبرى، على رأسها الولايات المتحدة الأميركية.

وهو يدين سياسات البنوك والمؤسسات المالية في الغرب خلال العقود الأخيرة، كما تطال اتهاماته رونالد ريغان ومارغريت تاتشر باعتبارهما رموز «الليبرالية». ولا يتردد في وصف «آلان غرينسبان»، رئيس البنك الفيدرالي الأميركي حتى فترة قريبة، أنه «متلاعب» بالأسواق وخبير في «استغلال» الآخرين.

بكل الحالات لا يخفي «جورج سوروس» أنه »خصم« للجمهوريين، وأن «هواه» يذهب باتجاه الديمقراطيين، وذلك خاصة من موقع «إنساني». ويؤكد أن دعم الأقليات الأميركية التي تمثّل «الضحايا» الأكثر تضررا من الأزمة المالية، هو أهم بكثير وأكثر فعالية من دعم البنوك.

تجدر الإشارة إلى أن محتويات هذا الكتاب موزعة بين قسمين رئيسيين يحمل الأول منهما عنوان «رؤية شاملة» وعنوان الثاني: «الأزمة الحالية وما هو أبعد منها».

الكتاب: النموذج الجديد للأسواق المالية

تأليف: جورج سوروس

الناشر: بوبليك افير نيويورك 2008

الصفحات: 208 صفحة

القطع: المتوسط

The new paradigm for financial markets

soroS egroeG

riaffA cilbuP

8002 .Y.N

802.P