يؤرخ الكاتب اندرو باتيستا في كتابه «نهوض الليبرالية العمالية»لظاهرة تحالف عمّالي ـ ليبرالي شهدتها الساحة السياسية الأميركية اعتبارا من نهاية عقد الستينات الماضي ويرى المؤلف أن القطيعة التي شهدتها الحياة السياسية الأميركية في نهايات سنوات الستينات من القرن الماضي هي التي هيأت الظروف المناسبة لصعود المحافظين ممثلين بالحزب الجمهوري.

وكانت النقابات العمالية قد شهدت بالتوازي مع ذلك، وفي نفس الفترة، أي نهاية عقد الستينات، انحسارا حقيقيا على المسرح السياسي وابتعدت عن سياسة التحالفات التي كانت قد أثبتت فاعليتها مع الليبراليين ذوي التوجهات الاجتماعية.إن اندرو باتيستا يشرح العلاقات في تلك الفترة بين مختلف القوى ذات الفاعلية آنذاك في أميركا، وذلك في القسم الخاص ب: «ازدهار وانحطاط العمل في إطار التحالف الليبرالي». ويبيّن أن الشروخ التي استجدت داخله إنما كانت على خلفية طموحات سياسية داخله، من جهة، وبروز حركات اجتماعية جديدة من جهة أخرى وخاصة على خلفية المطالب الجديدة التي رافقت حركات المطالبة بالحقوق المدنية للأقليات، وما كان يعني في الواقع حقوق الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية من السود.

ثم يشرح المؤلف كيف أن النقابات العمالية والقوى الليبرالية قامت بجهود كبيرة خلال الفترة الواقعة بين أواسط سنوات السبعينات وأواسط سنوات الثمانينات من القرن الماضي من أجل استعادة نفوذهما ودورهما القوي على رقعة الشطرنج «السياسي».

ويقدّم المؤلف في هذا السياق وعلى مدى عدة فصول مكرّسة ل«تحالف العمال والليبراليين» الكثير من التفاصيل الدقيقة حول الجهود التي قدّمتها هيئات مختلفة وجرى تجسيدها عبر أشكال للعمل المشترك مثل لجان العمل الوطني والتحالفات التي انضوت تحت تسمية «تقدمية» و«ئتلافات» حددت مهمتها الرئيسية في التوفيق بين روح العمل وروح المواطنة.

ويقدم المؤلّف في هذا الإطار «توصيفا» لما جرى تحقيقه من تقدم على طريق إرساء أسس للتحالف بين العمّال والليبراليين.

ويؤكد أنه قد تمّ في الواقع، تحقيق «تقدم محدود» وإنما «حقيقي» عبر إعادة بناء التحالف العمالي ـ الليبرالي، وقد اعتمد المؤلف في الآراء و«البراهين» التي يقدّمها على معلومات أرشيفية ضخمة جرى فتحها للتداول العام مؤخرا، كما اعتمد على المقابلات العديدة والمطوّلة التي أجراها مع قادة نقابيين أو مع نشطاء سياسيين.

وبعد أن يتم تقديم لمحة سريعة لمختلف أشكال «النزاعات الداخلية» في الحركة العمّالية الأميركية وحيث كانت تلك «النزاعات» قد حددت التوجهات التي انتهجتها قياداتها «اقترابا» من الليبراليين أو «ابتعادا» عنهم، يشير المؤلف إلى أن التحالف بين العمّال والليبراليين بقي في جميع حالاته وتبدياته أقل تماسكا وفاعلية من التحالف المقابل الذي يدعوه ب«تحالف عالم الأعمال والمحافظين».

لكن هذا لا يمنع،برأيه، واقع أن التحالف العمّالي الليبرالي كان له دور «حاسم» إلى هذه الدرجة أو تلك في الحياة السياسية الأميركية منذ عام 1968 حتى الوقت الراهن.

ويرى المؤلف إجمالا أن المجتمع الأميركي كان قد شهد تبدلات جوهرية إثر إعلان الرئيس الأميركي الأسبق فرنكلين روزفلت ما عُرف ب«البرنامح الجديد» الذي استهدف تحقيق الانتعاش الاقتصادي من جهة والإصلاح الاجتماعي من جهة أخرى خلال سنوات الأربعينات المنصرمة.

على أساس هاتين «الركيزتين» قامت «تحالفات» كثيرة في الولايات المتحدة خلال القرن العشرين وبالتالي لم تكن بعيدة عن التحالف العمّالي-الليبرالي وبروز دوره في سنوات الستينات. وهكذا يجعل المؤلف من تلك الفترة وتحديدا نهاية الستينات النقطة التي ينطلق فيها بتحليلاته.

ويشير المؤلف إلى أنه اختار عن قصد تعبير التحالف «العمّالي الليبرالي»، كي يتجنب ما يمكن أن يحدث من خلط بين المفهوم «الليبرالي» والحزب الديمقراطي الأميركي في مواجهة الحزب الجمهوري «المحافظ» هذا في الوقت الذي يريد أن يركز فيه على مفهوم التحالف العمالي ـ الليبرالي كتعبير عن «توجّه»لديه بنفس الوقت تداخلاته مع الحزب الديمقراطي، أو على الأقل مع بعض مكوناته.

ومن الأفكار الأساسية التي يؤكد عليها مؤلف هذا الكتاب قوله ان الليبراليين الأميركيين ذوي التوجهات «الاجتماعية» القريبة بالتعريف من الحزب الديمقراطي وجدوا أنفسهم خلال فترات عديدة من القرن العشرين في موقع ضعيف ولذلك حاولوا عمليا «التخلّص من هويتهم» وأصبحوا يميلون إلى أن يطلقوا على أنفسهم صفات أخرى غير «الليبرالية».

كتاب عن التاريخ الاجتماعي والسياسي الأميركي خلال القرن العشرين، وذلك عبر المسار الذي عرفه التحالف العمالي-الليبرالي الذي «انحسر» لكنه «لم يمت»، وهذا ما يؤكده المؤلف.

الكتاب: نهضة الليبرالية العمالية

تأليف: اندرو باتيستا

الناشر: جامعة إلينوى 2008

الصفحات: 280صفحة

القطع: المتوسط

The revival of labor liberalism

Andre