مع مبادرة سيجريد روسينج، مالكة مجلة «جرانتا» الأدبية الشهيرة إلى رصد تكلفة ترجمة رواية بهاء طاهر «واحة الغروب» الفائزة بجائزة بوكر العربية للرواية في دورتها الأولى، وتسابق دور النشر الإنجليزية إلى التعاقد على نشرها، بادرت صحيفة «غارديان» اللندنية إلى إجراء هذه المقابلة مع الروائي المصري.
حيث ألقى الضوء على جوانب من عالمه الإبداعي وبصفة خاصة دلالات مبادرة بطل روايته إلى نسف المعبد في واحة سيوة في أواخر القرن التاسع عشر، كما تطرق إلى رؤيته لوضعية الجوائز الأدبية العربية والمسيرة الحالية للمجتمع الذي ينقله إلى القارئ عبر صفحات رواياته. وفيما يلي نص المقابلة:
يعد بهاء طاهر واحداً من أبرز الروائيين العرب الأحياء الذين يحظون بالتقدير، حيث قدم للمكتبة العربية ست روايات، ترجمت ثلاث روايات فيها إلى الإنجليزية وأربع مجموعات من القصص القصيرة والمسرحيات والكتابات غير الإبداعية، وذلك على الرغم من أن أياً من هذه الأعمال لم ينشر في إنجلترا.
وهو واقع من المؤكد أن فوزه بجائزة بوكر العربية التي يبلغ قيمتها ستين ألف دولار سيغيره، حيث يتسابق الناشرون البريطانيون بالفعل على الفوز والتعاقد على نشر روايته «واحة الغروب» فور ترجمتها.
وهو يقول إن غزو العراق في عام 2003، الذي عارضه بشدة، قد دفعه إلى اكتشاف الاحتلال الذي كانت مصر قد تعرضت له على يد بريطانيا، حيث تدور أحداث روايته «واحة الغروب» في أواخر القرن التاسع عشر، وهي تبدأ برحلة قافلة من القاهرة إلى سيوة، وهي واحة مصرية تقع غير بعيدة عن الحدود مع ليبيا، ويقطنها أناس غالبيتهم من البربر عرفوا بنزوعهم الصارم إلى الاستقلال.
ويقول بهاء طاهر في هذا الصدد: الصحراء فضاء يكتشف الناس فيه أنفسهم، وهو فضاء يعد إيجابياً بالنسبة للبعض، وكارثياً بالنسبة للبعض الآخر. وهو يرسم ملامح بطل الرواية، محمود، على أساس حاكم عسكري لواحة سيوة يقول عنه إن نفيه إلى الواحة من قبل سلطات الاحتلال البريطانية كان بالتأكيد عقاباً لا ترقية .
وفي عام 1897 قام رئيس الشرطة المصري هذا بنسف جانب من مبعد أمون رع الذي استشار الاسكندر الأكبر عرافه قديماً، وذلك باستخدام الديناميت. وتتلمس الرواية عن كثب الدوافع المحتملة وراء هذا العمل الغامض والملتبس.
ويوضح الروائي المصري في هذا الصدد: لقد تخيلت أنه نسف المعبد لأنه شارك في الثورة العرابية . وهكذا فإن محمود من خلال نسفه لجزء من المعبد إنما ينسف الماضي المجيد لكي يفتح عيون الناس على الحاضر، وهي مفارقة مريرة، حيث إن أجدادنا كانوا رجالاً عظماء لكن أحفادهم ليسوا ملائمين للاحتلال .
ويعد بهاء طاهر من المؤمنين بالوحدة العربية بإصرار، وهو ينظر إلى نفسه باعتباره «أحد آخر الناصريين الباقين ، وهو يقول في هذا الصدد: عندما كنت شاباً لم أحد الثورة على الإطلاق، فقد كنت ليبرالياً، وشاركت في التظاهرات ضد السياسات الدكتاتورية .
ولكن بعد مجيء أنور السادات إلى السلطة في عام 1970 أدركت الأمور الإيجابية التي قضى عليها عبدالناصر. وعلى الرغم من الأخطاء، فإن الاندفاع كان من أجل العدالة الاجتماعية وحق الفقراء في التحرر بعد قرون من الخضوع، إنني أعتقد أن ما قام به هو معجزة، في ضوء السياق الذي تم فيه ذلك، عندما كان الناس يموتون جوعاً في الريف .
وفي روايات بهاء طاهر تعد النساء ضحايا أيضاً، وهو يؤمن بأن: النساء في بلادهن لم يتحررن بعد لأن الرجال ليسوا أحراراً . وقد كان قريباً من أخته الكبرى، وهي باحثة اجتماعية توفيت في عام 2001.
وهو يقول عنها: على الرغم من أن أبي كان محافظاً للغاية، فإن أختي سلمى أصرت على العمل وتزوجت من الرجل الذي تحبه. ولكن المجتمع لم يكن مستعداً لمثل هذه المفاهيم، ونساء الخمسينات المتحررات لم يحصلن على ما هن جديرات به من تقدير، وذلك هو السبب في أن جيلاً أصغر منهن لم يكن على مستوى جاعتهن .
وفي سويسرا وجد وقتاً للكتابة، وهو يروي لنا في روايته «الحب في المنفى» الصادرة عام 1995 والتي ترجمت إلى الإنجليزية عام 2002 قصة صحافي مطلق وناصري لم يتخل عن أيديولوجيته وهو يعيش قصة حب مع امرأة نمساوية أصغر منه عمراً في مدينة أوروبية لا نعرف اسمها على امتداد الرواية.
وعلى الرغم من أن روايات بهاء طاهر تكشف غالباً سوء فهم بين أوروبا والعالم العربي، فإنه يقول: لم أعتقد قط أن شخصية يمكن أن تعكس ثقافة بأسرها أو صداماً بين الحضارات، فنحن لسنا على ذلك القدر من الاختلاف .
وهو يقول إن اهتمامه ينصب على الناس الذين يخضعون الآخرين، وكيف يقومون بذلك. وتشمل رواية «الحب في المنفى» على شهادة على المذبحة التي تعرض لها الفلسطينيون في مخيمي صبرا وشاتيلا في بيروت في عام 1982.
ويقول بهاء طاهر في هذا الصدد: «لقد اقتضى الأمر مني عشر سنوات من الكتابة وتنحية الأوراق جانباً لكي أحاول تهدئة نفسي».وعكس رواية «واحة الغروب» ما يحس بهاء طاهر به حيال الركود الذي تعيشه مصر حالياً. وهو يقول: لقد عشت في عهود الملك فاروق، ناصر، السادات ومبارك. والآن حتى الديمقراطية بالنسبة للأقلية ليست موجودة. وليس بمقدوري رؤية مجتمع، فكل ما أمامي هم أفراد فحسب .
وقد منح بهاء طاهر جائزة الدولة التقديرية في عام 1998، ولكنه ترك اتحاد الكتاب الذي يفتقر إلى الحضور والفعالية في عام 2000. وهو من مؤسسي »الكتاب والفنانون من أجل التغير وهو جزء من حركة كفاية المعارضة.
ويقول في هذا الصدد: لقد شاركت في المظاهرات ولكنني لم أعد أشارك فيها لأنها ليست على تواصل مع الشعب .وبينما انسحب بعض مما يلي بهاء طاهر من الحياة السياسية، فإن آخرين أصبحوا منخرطين في التيار الإسلامي. وهو يعقب على ذلك بقوله: إنه أمر مثير للدهشة، حيث إن الكثيرين كانوا ماركسيين في شبابنا .
وفي رواية «الحب في المنفى» يشعر البطل الصحافي بالاستياء لرؤية ابنه وقد اجتذب إلى الإسلام السياسي. ويرى بهاء طاهر أن حركة الإخوان المسلمين المحظورة قانوناً في مصر والتي تعد أقوى شرائح المعارضة، حيث تحظى بخمسة مقاعد مجلس الشعب، تزدهر لأن كل الإيديولوجيات الأخرى قد انهارت، والشعب لا يمكنه أن يحيا من دون أمل، والناس يعتقدون أننا إذا لم يكن بمقدورنا تغيير الدنيا من حولنا بالماركسية أو القومية فإننا يمكننا أن نغيرها بالأفكار الدينية .
وربما تتوافق رؤية بهاء طاهر الإنسانية مع الهدف الضمني لجائزة بوكر العربية. وفي رحلة قام بها مؤخراً إلى الأقصر أسعده أنها لا تتعرض للتوترات بين المسلمين والأقباط، وهو يعتقد أن ذلك يرجع إلى الدفق المستمر من الزوار الذين تستقبلهم، ويقول: جزء من حكمة القرون أنك عندما تعرف الآخر فإنك تتسامح معه، أما عندما لا تعرفه فإن الخوف يسود .
المؤلف في سطور
ولد الروائي بهاء طاهر في القاهرة عام 1935، وعمل عقب تخرجه من الجامعة في هيئة الإذاعة المصرية، وتولى منذ عام 1968 منصب نائب مدير البرنامج الثاني، وقام بتدريس مادة الدراما في قسم السيناريو بمعهد السينما، غير أنه فصل من عمله في إطار التخلص من الكوادر اليسارية، فعمل بالترجمة أربعة عشر عاماً في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف حتى عام 1995، حيث عاد إلى القاهرة للتفرغ للكتابة.
ـ قدم للمكتبة العربية أربع مجموعات قصصية هي على التوالي «الخطوبة وقصص أخرى» (1972)، «بالأمس حلمت بك» (1984)، و«أنا الملك جئت» (1985)، «ذهبت إلى شلال» (1998) وست روايات هي «شرق النخيل» (1985، «قالت ضحى» (1985)، «خالتي صفية والدير» (1991)، «الحب في المنفى» (1995)، «نقطة النور» (1001) وأخيراً«واحة الغروب» (2007).
منى مدكور
