يذهب المؤلف محمد جدوع في كتابه «عبادلة الفكر» إلى قراءة فكر ثلاثةٍ من المفكِّرين العرب، عبد الوهاب المسيري، عبد الرحمن بدوي، عبد الله العروي، يسمِّيهم بعبادلة الفكر- وهي ليست جمعاً لأسماء تبدأ بـ (عبد) بقدر ما تطمح لأن تكون جزءاً من مشروع فكري ونقدي، فيرى أنَّ عبد الرحمن بدوي في فكره لم يعد مجرَّد منتمٍ أو من أتباع الفلسفة الوجودية، بل هو عَلَمٌ بارز من أعلام هذه الفلسفة على مستوى الفكر العالمي الغربي، وذلك لما لاقاه على الساحة العربية من عدم اكتراث ولا مبالاة لدواعي سياسية (موقفه من ثورة يوليو 1952).
إضافة للتبريرات التلفيقية الفكرية التي لحقت بالوجودية، من انتقادات شائنة وجدت صدى مسموعاً في الأوساط الثقافية التي كانت تتنازع فيها تيارات فكرية حشدت أنصاراً لها على كافة المستويات.والتي تصدَّرها التيار القومي الذي نفحته نشوة تحقيق الوحدة المصرية السورية، وقبلها صمود مصر في وجه العدوان الثلاثي عام 1956، الذي أمدَّه بشحنة عاطفية أكثر ما تكون فكرية؛ تبدَّت في اتخاذه موقفاً متعالياً على الإسلاميين والماركسيين، إلى أن جاءت هزيمة 5 1967يونيو لتظهر سوءَة الجميع. ومع هذا التجاهل الذي واجهه بدوي لم يداخله الوهن والتردد، بل كان حافزاً له لإغناء الساحة الفكرية بمؤلفاته التي كشفت عن مواقفه التي تمثَّلت في جسارته وفرادته بموقفه الوجودي، الذي دعى فيه إلى تحمُّلِ المسؤولية الفردية تجاه قضايا المجتمع في محاربة الظلم، والسعي لتحقيق العدالة والمساواة.
أمَّا المفكِّر عبد الوهاب المسيري فإنَّه خاض معركة فكرية لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية، بل تتفوَّق عليها تاريخياً، بما جادت به الموسوعة(اليهود واليهودية الصهيونية) فريدة الفكر العربي المقاوم، من معلومات تدحض الأضاليل والدعاوى الصهيونية، من خلال مواجهتها بالحقائق التاريخية المسندة التي تبيِّن الزيف، وتكشف التحريف وتزوير الحقيقة.
لذا فإنَّ المسيري يُعتبر ظاهرةً معرفية بامتياز لم تأت عفو الخاطر، أو محض الصدفة، إنَّما جاءت استجابة تاريخية وبارقة أملٍ أملتها التحديات الداخلية والخارجية التي تتعدَّد استهدافاتها.
والتي من جملتها ومن أخطرها محاولات طمس الهوية الجغرافية، والثقافية والتاريخية لمنطقتنا التي بدأت بمصطلح «الشرق الأوسط» ولعلَّ المسيري فعل حسناً حينما استخدم مصطلح «الجماعة الوظيفية» المستخدم في العلوم التجريبية ـ الفيزيائية والكيميائية ووظَّفه في علم اجتماع المعرفة، الذي صيغت على أساسه الموسوعة بنوعيها ـ الكاملة والموجزة. وحسناً فعل أيضاً عندما تقصيَّ تاريخياً الدور الوظيفي الذي قامت به الجماعات اليهودية بمختلف مسمياتها (العبرانية، الاسرائيلية، اليهودية، الموسوية).
ومع التأكيد على عدم وجود تواصل أنثروبولوجي وتاريخي فيما بين هذه المسميات، إلا أنَّ ذلك لا يقلِّل من التتبع التاريخي لتلك الجماعات التي لم تقم بأي دورٍ إنساني هام يمكن أن يُنسب لها، كمساهمة في بناء الحضارة الإنسانية، وحتى الفلاسفة اليهود والعلماء في المجالات الأخرى لم تظهر عبقريتهم في ظلِّ وكنف تلك الجماعات،لا بل أغلبهم تبرَّأ ونفي وطُرد بدءاً من اسبينوزا وانتهاء بنعوم تشومسكي.
والموسوعة التي ألفها المسيري تابعت بأناةٍ وصبر كلَّ ما يتعلَّق باليهود واليهودية والصهيونية تستحق أن تكون بمستوى الموسوعات العالمية ذات السمعة المعرفية والمصداقية التاريخية.
في دراسته عن عبد الله العروي يرى الباحث محمد جدوع أنَّ صدى كتاب «الإيديولوجيا العربية المعاصرة» لا يزال يتردَّد على الأسماع في المحافل والمنتديات التي تهتم بالشأن الإيديولوجي، بالرغم من تصدي كُتَّاب كثر تنطَّحوا للمسألة الإيديولوجية،هذا الكتاب الذي كان رصداً للتيارات الفكرية أكثر منه تنظير إيديولوجي،كما أنَّ مفهوم الإيديولوجيا صيغ كمحاضرة جامعية وهو ما اعترف به العروي (أصل هذا البحث محاضرة بعنوان ما هي الإيديولوجيا ألقيتُها في كلية الآداب بالرباط تحت إشراف الجمعية الفلسفية).
صحيح أنَّ العروي كأستاذ جامعي يجب ألا نفرض عليه ما نريد، لكنَّ العروي في مؤلفاته التنظيرية طرح نفسه كمفكرٍ طليعي، وبالفعل أنشأ له جمهوراً عريضاً من المثقفين والمتابعين الشأنَ الفكري، وعلى هذا الأساس تنطلق مشروعية الدعوة للعروي أن يتخلى عن جلبابه الأكاديمي، مع إنَّه بالتأكيد لن يعرض أفكاره إلا ضمن رؤيته التي يؤمن بها، لأنَّ المشكلة في العرويات تكمن في مدى القرب والبعد عن الواقع الذي يودُّ العروي تحديثه وتطويره، وفي الوقت نفسه يقلِّل من عدد أنصاره الذين تقع عليهم مهمة التنفيذ في ظل غياب مؤسِّس رسمي إلى درجة السبات الكهفي.
ثمَّ يأخذ الباحث على العروي التجاءه للتاريخانية التي تعفيه من المساءلة، كما وأنَّ الحداثة توفِّر له نقد السائد من حيث الانتقاد، ومن حيث التوفيق والمواءمة، بالإضافة إلى نقد البائد من تراثٍ ولغة.
الكتاب: عبادلة الفكر دراسة
تأليف: محمد جدوع
الناشر: دار الخير دمشق 2007
الصفحات : 211صفحة
القطع: الكبير
أنور محمد

