الكاتب والأديب والفنان السوري سمير طحان حالة متفردة في المشهد الثقافي السوري، ولعلني لا أبالغ إذا قلت العربي، وربما العالمي. وذلك التمايز بدأ على صعيد حياته الشخصية إذ انه فقد عينيه ويديه أثناء القيام بواجبه كضابط في الجيش السوري، ومع ذلك لم يفقد نور الأمل وامسك المستقبل بيديه، فقد أصر على أن يعيش حياته بكل ما تبقى منها من جمال وحب، لهذا كرس حياته للعمل في مجال الفن والأدب، فصارت الموسيقا أنيسة وحشته، يؤلف القطع الموسيقية، ويكتب الأغاني التي يحكي كلماتها من خيوط الروح، ويلحن أغانيه بإحساس عذب نحسه يتسلل من أسماعنا إلى أرواحنا دون استئذان.
هذا فضلا عن دراسة الطحان للغناء الشعبي فوثقه من مظانه حفاظا عليه من الضياع والاندثار في زحمة الأغاني الرائجة.
أما إذا انتقلنا إلى عمله في المجال الأدبي فنجد انه لم يكتف بالكتابة بالعربية، فقد كتب بالانجليزية والفرنسية والاسبانية، كما ترجمت بعض كتبه للغات أخرى. لم تحظ تجربة سمير الطحان الإبداعية بما تستحق من عناية، ولعل السبب الرئيسي هو تخصصه بالأدب الشعبي، والعمل على هذا المنوال إبداعا أيضا، وله تجارب تحمل سمة التجديد في هذا المجال.
ومن هنا تأتي الإشكالية التي اعترضت طريق الطحان حيث مازالت النظرة السائدة أن الأدب الشعبي هو اقل مرتبة من الأدب الرسمي ـ ان صح التعبير ـ وتلك النظرة يرفضها جملة وتفصيلا الطحان وهذا ما دفعه إلى العمل بجد على العناية بالأدب الشعبي بشكل خاص، فهو يرى انه على الرغم من أن الأدب الشفهي غير مدون ولكنه يمثل الحضارة الإنسانية بكل ما فيها لأن القص الشعبي لم ينتجه فرد بعينه ليعبر عن أفكاره الخاصة ومشاعره، فالحكاية على سبيل المثال تشكلت على ألسنة الناس الذين أحبوها فحفظوها وطوروها وتناقلوها لأنها صارت جزءا من ثقافتهم.
لهذا يؤكد الطحان أن الأدب الشعبي هو المعبر الحقيقي عن أفراح الإنسان وأحزانه، كما يؤكد أن تراث أي شعب هو حصيلة تجربة إنسانية شاملة ومكتملة لأنه يقدم متعة للجميع، وتسلية للكبار والصغار، ففيه نجد الحكمة البليغة، والطرفة الذكية، والنصيحة المفيدة، والكلمة الطيبة. بل يصر الطحان ان الأدب المكتوب تالٍ وليس الركيزة والأساس.
لهذا يدعو الطحان إلى إنقاذ التراث الشفهي من الاندثار، والى إنشاء كليات لدراسة هذا الجنس الأدبي أسوة بباقي دول العالم المتقدمة التي تنبهت لأهمية الأدب الشعبي في التعبير عن الهوية الأصيلة والوجه الحقيقي لمجتمعاتها.
أما آخر كتب الأديب الفنان سمير طحان فقد أصدر بمناسبة إعلان دمشق عاصمة الثقافة العربية تحت عنوان «الحكواتي السوري» وضمنه ترجمة كاملة للنص باللغة الانجليزية للمترجمة د. أندريا روف قاصداً أن لا يوجه كتابه هذا للقارئ العربي وحسب، بل لجميع القراء في العالم عبر اللغة الأكثر انتشار في العصر الراهن، لأن المؤلف يرى أن الأدب الشعبي وان كان في الأساس خاضعاً لشروط مكانية وزمانية محددة فهو بالمحصلة نتاج بشري يتوجه إلى الإنسان عامة في كل مكان وزمان، لذا يجب أن يصل إلى الناس جميعهم أينما كانوا وأنى عاشوا.
وحكايات هذا الكتاب انتقاها سمير الطحان من موروث الحكايات الشعبية السورية ودونها مع محافظته على الأسلوب الشفوي دون الإغراق في العامية، حيث انتقى المفردات الفصيحة القريبة من العامية، كما أدرج بعض المفردات العامية كيلا يفقد السرد شيئا من حميميته العفوية وطزاجته الفطرية، مع استعانته أحيانا بالسجع الذي يميز السرد الشفوي، فأتت الحكايات مثقلة بنكهة أيام زمان حيث كان يتجمع الأطفال حول الجدة .
وهي تروى الحكايات قرب ضوء القنديل، بل كثيرا ما كان يجتمع الكبار حول الراوي العجوز الذي يقدم للجالسين عظات من حكم الأسلاف وطرائفهم، فكانت تلك الحكايات دروسا أخلاقية وجمالية أيضاً في عصر لم تعرف فيه المدارس والجامعات ووسائل الاتصال الحديثة، فكانت الحكاية هي الرابط الوحيد بين الأجيال التي تتناقل عبر حكايات تاريخها وعاداتها وتقاليدها ورؤيتها للحياة عامة.
الحكاية الأولى التي افتتح بها سمير الطحان التي لم يأخذها كغيرها من أفواه الناس، بل صاغها بنفسه عن حياته مراعيا الأسلوب الشفهي في الحكاية، فكانت الحكاية التي حملت عنوان «حكاية الطحان» على هذا الشكل: كان يا ما كان في جديد الزمان وحاضر العصر والأوان.
كان سمير طحان بالاسم طحانا وبالفعل مطحوناً لأنه غالبا مغبون. يحب التعلّم والعمل أكثر من التعلل بالأمل. أحب الأوطان والسكان وأعطاهم عينيه ويديه فخذلوه ورموه إلى الحرمان.
وأحب زوجته وأمّنها على كل ما في حوزته فتنكرت واستولت على كل ما لديه ورمته إلى الهجران. فلجأ إلى كنف أخويه انطون ومروان. وما يزال يعمل ويعمل بوجدان. وسيظل يحب الإنسان إلى آخر الزمان.
الكتاب: الحكواتي السوري
تأليف: سمير الطحان
الناشر: دار كنعان ـ بالانجليزية دمشق 2008
صفحات: 196 صفحة
القطع: الكبير
سامر أنور الشمالي
