كتاب «الشرق الأوسط الكبير.. وثيقة تأسيسية ودراسة تحليلية ورؤية للمستقبل»، للمؤلف محمد الخولي، يضع القارئ في مواجهة مباشرة مع الأفكار والدعوات الناشئة عن الغرب في أميركا وأوروبا بالنسبة لمشروع «الشرق الأوسط الكبير»، خاصة من خلال «وثيقة اسطنبول التأسيسية».

ويقدم عرضا وافيا ودقيقا لنصوص هذه الوثيقة الجوهرية مع طرح دراسة لها بمنهج التحليل النقدي، فضلاً عن عرض وتحليل التصورات ـ السيناريوهات الثلاثة التي صاغتها الجمعية العالمية للمستقبل في أميركا من أجل التصدي بأساليب مبتكرة لقضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بوصفها محور المشكلات في الشرق الأوسط. يعرض المؤلف نص الوثيقة التأسيسية ـ ورقة اسطنبول:» مع بداية القرن الحادي والعشرين، تواجه المجموعة الأطلسية تحديا جديدا يتمثل في ضرورة المساعدة على تعزيز الديمقراطية والتنمية البشرية في الشرق الأوسط الكبير الذي يمتد من الغرب إلى أفغانستان، وقد أصبح محوراً للتعرض لعدد من أفدح الأخطار والتهديدات التي نواجهها اليوم، سواء من جانب أقطار المنطقة أم من العالم بأسره.

بالإضافة إلى أن الشرق الأوسط يوفر حصة لا غنى عنها من احتياجات الطاقة في العالم فهو أخطر المناطق التي يمكن أن تهيئ المناخ لتوالد تركيبة خطيرة تجمع بين الأيديولوجيات الشمولية، وفشل مؤسسة الدولة وعائلة الإرهاب، وإمكانية الحصول على أسلحة الدمار الشامل، من هنا جاءت استراتيجية أطلسية مشتركة ترمي إلى دعم الديمقراطية وتعزيز التنمية البشرية في الشرق الأوسط الكبير.هنا يقدم المؤلف تحليلا نقديا لوثيقة اسطنبول، قائلاً: إن مشكلة هذه الوثيقة أنها وسعت أفق التناول إلى ما تسميه الشرق الأوسط الكبير، فهذه النظرة الأوسع إلى المنطقة تتخطى ما اصطلح عليه الفكر القومي العربي من تحديد معالم الوطن العربي أو العالم العربي بمعنى المنطقة ذات الثقافة العربية القومية، والناطقة بلغة الضاد، والممتدة تاريخيا وثقافيا من العراق والخليج والجزيرة العربية شرقا إلى مراكش وموريتانيا غرباً.

ويؤكد أن إضافة كل من تركيا وإيران »ناهيك عن إسرائيل« من المنظور الغربي وأفغانستان بحكم الأمر الواقع من شأنه أن يؤدي إلى تمييع المعالم المحددة لوطن أمة تتكلم لغتها العربية، وتجمع شعوبها أواصر تاريخية.ويقف المؤلف عند ما تسميه ورقة اسطنبول »مشكلة المصداقية«، فيقول: تؤكد ورقة اسطنبول على ما تسميه مشكلة المصداقية التي تعانيها الولايات المتحدة بخاصة، وكأنما الإشارة إلى أن أميركا النقطة الأضعف في دفاع الغرب أو استحكاماته إزاء ما تتوقعه أوروبا والولايات المتحدة من صراع أو هجمات إرهابية تأتي من منطقة الشرق الأوسط الكبير،.

في كل حال فالورقة تنتقد واشنطن لأنها ركزت في حربها المعلنة ضد الإرهاب على العنصر العسكري بالذات، والإشارة إلى شن الحرب على نظام طالبان في أفغانستان، وشن الحرب على نظام صدام حسين في العراق. ومن ناحية أخرى تشير الورقة إلى أن إيران هي أقرب بلدان المنطقة للحصول على أسلحة نووية، ومن هنا تحرص الورقة على حث الغرب على أن يسعى لكي يحول بين إيران وبين اقتناء الأسلحة النووية مع محاولة إقناع طهران بالتخلي عن دعمها للإرهاب.

ورغم أن الدراسة لم تقم بواجبها العلمي والموضوعي فتشير تحديدا إلى أن ثمة كيانا آخر في المنطقة هو إسرائيل يمتلك العديد من الأسلحة النووية المتطورة بما يهدد حقيقة أمن المنطقة إلا أنها لا تلبث أن تلمح بذكاء لا يخفى أن اقتناء إيران للسلاح النووي أمر يمكن أن يسفر عن سلسلة من ردود الأفعال التي ستؤدي إلى انتشار هذه الأسلحة، ما يمكن بدوره أن يفاقم من التوترات الإقليمية فتسوء معه شروط أو ظروف التحول الديمقراطي في إيران، وفي هذه إشارة إلى احتمال ينطوي على خطر مواجهة إيران وإسرائيل باعتبارهما الطرفين الحائزين على هذا النوع من الأسلحة الفتاكة في المنطقة.

ويسجل المؤلف بعض الملاحظات لوثيقة اسطنبول، وما أثارته من قضايا، ولاسيما تلك المتعلقة بمستقبل العلاقات بين الغرب بشكل عام، ومنطقة الشرق الأوسط الكبير بشكل خاص، فيرى أن الأمن يمثل الهاجس الرئيسي الذي لا يلبث يؤرق الغرب في جانبيه الأوروبي والأميركي، وإن كان الأمن في هذا السياق يتخذ معنى متوسعا يتجاوز التعريف البوليسي أو التقليدي للأمن بمعنى استتباب النظام، وانعدام ما يعكر صفو السلم العام.

ويؤكد المؤلف على أن غاية ما يرمي إليه هو ضرورة الوعي بما يراد بنا، وبما يجري من حولنا، والوعي يكون بالرصد والقراءة وبالدرس والتحليل وبالحوار المتأني وبالخطاب السياسي المتحرر من آفة التزويق أو الفكر غير المسؤول عن مشكلات الحاضر بدلاً من التدبر المتوسل بالمعلومة والإحصائية والرؤية المنهجية من أجل استشراف المستقبل.

الكتاب: الشرق الأوسط الكبير

تأليف: محمد الخولي

الناشر: مؤسسة دار الهلال القاهرة 2008

الصفحات : 288صفحة

القطع: الصغير

أيمن عثمان