العدد الجديد من حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية (الفصلية) التي تصدر عن مجلس النشر العلمي بجامعة الكويت.. تم تخصيصه بالكامل لدراسات مستفيضة لرائد الصحافة الكويتية بلا منازع الشيخ عبدالعزيز الرشيد ومجلة الكويت أول مطبوعة صحافية في تاريخ الكويت والدراسة للدكتور أنس محمد الرشيد والدكتور محمد المنصف الشنوفي.
ولا يمكن سرد سيرة عبدالعزيز الرشيد دون أن تكون مقرونة بالحديث عن أولى المجلات الكويتية وبدايات الصحافة الكويتية «مجلة الكويت» فهو مؤسسها الذي تخطى الكثير من العقبات في سبيل ظهور تلك المطبوعة بالغة الأهمية في تاريخ الصحافة الكويتية.
أحدث إصدار «تاريخ الكويت» سنة 1925 ضجة إعلامية وفي نفس الوقت استمر الشيخ عبدالعزيز في نشاطه الصحافي، ففي فبراير 1927 أرسل رسالة عن الكويت نشرتها جريدة الشورى المصرية وفيها يذكر نزول الأمطار بالكويت ووصول الجراد الذي زحف على الديرة وأن موسم الغوص لم يكن مربحا، وأعلن في هذه المقالة ان الشورى هي الأكثر انتشارا في الكويت.
وأعلن ان الكويت بحاجة إلى جريدة مثل الشورى وأعرب عن أمله في الشيخ احمد الجابر »في ان يكتب لنفسه تاريخا في وطنه« وكان الشيخ عبد العزيز الرشيد مراسلا ايضا لليقين ونداء الشعب البغداديتين والهلال والفتح المصريتين، وكان له في مجلة الهلال مقال عن مغاصات اللؤلؤ تحت عنوان »من أعماق البحار إلى صدور الحسان« وتحته عبارة »وصف مشاهد خبير« ولقد لفتت هذه المقالة نظر أحمد زكي باشا الذي كتب في جريدة الشورى يصفها بأنها »مقالة ممتعة«.
كل هذا النشاط الصحافي المكثف للشيخ عبدالعزيز الرشيد جعله يتخطى مرحلة الاستعداد إلى مرحلة انجاز مشروعه الثاني الكبير بعد تاريخ الكويت، ألا وهو إصدار مجلة الكويت سنة 1928، وهي مجلة دينية تاريخية أدبية أخلاقية، شهرية تصدر في الكويت ورئيس تحريرها ومديرها المسؤول عبد العزيز الرشيد وجاء فيها أيضا (سنة المجلة عشرة أشهر) وكان اشتراكها السنوي في الكويت والبحرين تسع روبيات وفي الخارج 10 روبيات.
صدر العدد الأول بعد ان وافق الأمير الشيخ احمد الجابر على إصدارها، وحصل الشيخ عبد العزيز الرشيد على ترخيص رسمي لطباعتها، ولكن الأمير اشترط عليه ان يطلق على العدد الأول قبل السماح بطباعتها، وهذا ما حدث بالفعل، حيث اصدر أوامره بطبعها على ان يكون يوسف بن عيسى القناعي مراقبا على هذه المجلة.
واستقر رأي عبد العزيز الرشيد على ان تطبع مجلة الكويت في المطبعة العربية بالقاهرة، ولقد أهدى المجلة في عددها الأول إلى أمير الكويت الشيخ احمد الجابر الصباح.
واشتملت المجلة على عدة أبواب، هي الدين، رد الشبهات على الدين، الأخلاق، القديم والجديد، الأدب، التاريخ، التراجم، الفتوى، اللغة، متفرقات الفوائد، وأخيرا التقريظ والانتقاد.
ويلاحظ من افتتاحية العدد الأول ان الرشيد حسم قضية الترخيص بحكم علاقته الحميمة بأمير الكويت، وأيضا فإن مجلة الكويت إصلاحية بالدرجة الأولى يدعمها ويشجعها مصلح الكويت الشيخ يوسف بن عيسى القناعي، وان طباعة مجلة الكويت خارج دولة الكويت، حل منقوص حز ويحز لا شك في نفس رئيس تحريرها ومؤسسها ولكن ما العمل؟ وأعداء الشيخ عبد العزيز من المحافظين لهم صولة وتأثير؟ كتب يقول عنهم في الافتتاحية »ان أشباح المثبطات التي ما زالت أبصارها في الطريق كادت ترميني في هوة من اليأس«.
ومع ازدياد عدد المشتركين عين صاحب مجلة الكويت وكلاء عنه في الخارج، وكان لا ينفك يوجه الدعوة بتسديد ما على هؤلاء المشتركين من مستحقات للمجلة، فكان له وكلاء في الكويت، البحرين، البصرة والزبير، دبي، مكة المكرمة، بغداد، بومباي.
وأخيرا فإنه يتضح من كل ما سبق ان الحركة الفكرية والأدبية التي ظهرت بالكويت في أوائل القرن المنصرم كانت من أهم الروافد لظهور الصحافة في بلد كانت فيه المطبعة والتشريعات الصحافية غائبة، ولكن تعاون السلطة وتسامحها مع رجال الفكر والإصلاح - وهي ابرز سمة للخصوصية الثقافية الكويتية- مكن من ظهور رواد في مجالات عدة مثل مصلح الكويت يوسف بن عيسى القناعي وشاعر الكويت صقر بن شبيب ورائد التاريخ والصحافة عبدالعزيز الرشيد.
ومن ثم فإن إصدار مجلة الكويت سنة 1928 بعد إصدار تاريخ الكويت بسنتين، يسجل نقطة مضيئة في سجل الحياة الفكرية والأدبية بالكويت، فمن هذا البلد انبعثت أولى الصحف الشعبية لا الحكومية في الخليج والجزيرة العربية، وهذا لم يحدث من فراغ، وانما هو حلقة مهمة في مسيرة الشيخ عبد العزيز الرشيد الذي كان له أول احتكاك بالتأليف والطباعة منذ 1911.
وكانت مجلة الكويت في ضوء هذا الاحتكاك الطويل بالطباعة والنشر والصحافة، نموذجا من حيث المهنية والحرفية، حيث التزم رئيس التحرير بالأبواب الثابتة وعددها أحد عشر بابا التزاما صارما لم يحد عنه الا عند الضرورة وبعد إخطار القراء به مع تقدم المبررات.
كما حوت مجلة الكويت اشكالا صحافية مثل الحديث الصحافي والتحقيق على غرار أعرق الصحف والمجلات، وليس غريبا عن رئيس تحرير كان مراسلا ووكيلا لكبريات المجلات العربية بمصر والعراق.
وبوفاة الشيخ عبد العزيز الرشيد سنة 1938 حدث فراغ صحافي امتد حتى عام 1946، عندما بدأ مشروع صحافي أنجزه الطلبة الكويتيون المبتعثون إلى مصر وهو البعثة (1946- 1954) ثم كاظمة (1948- 1949) داخل الكويت.
الرشيد في سطور
ولد عبدالعزيز أحمد الرشيد البداح بمدينة الكويت سنة 1887 من أبوين كويتيين من أصول نجدية، تربى على سعة العيش فلقد كان والده تاجراً.
تلقى تعليمه الأول في كتاب الملا زكريا الأنصاري وحفظ القرآن عن ظهر قلب مدة سنتين، ثم انقطع فترة عن طلب العلم عمل فيها مع أبيه، الذي كان يشتغل بتجارة الصوف وجلود البهم »القوزي« فزاول البيع والشراء مدة، ثم سرعان ما أقبل على العلم والتعليم على يد شيخه الأول عبدالله الخلف الديحان الذي درسه فقه الإمام أحمد بن حنبل وغيره من العلوم الشرعية.
أنور الياسين
