من عشق الشرق ولدت هذه الحديقة الغناء، ومن روح الفن استمدت جماليتها، حين خطفت مراكش روح جاك ماجوريل وخلبت لبه فقرر الاستقرار في هذه المدينة المغربية التي لا تزال أجواؤها الساحرة المشبعة بعبق التاريخ تجذب الآلاف يوميا من كل أرجاء المعمورة.

ولم يكتف هذا الرسام الفرنسي بلوحاته التي اتخذت في اغلبها من المغرب موضوعا لها، أو يقتنع بما أنجزه من أعمال الديكور والملصقات، فأضاف لعالمه الفني حديقة هي اليوم أحد أشهر معالم مراكش إلى جانب كل من صومعة الكتبية وجامع الفنا.

ولد ماجوريل في نانسي بفرنسا عام 1886، واختار، بعد رحلات قادته إلى مصر واكتشاف العالم الإسلامي بألوانه ونوره وعاداته، الإقامة بمراكش في 1919 من أجل إعطاء نفس جديد لمسيرته كفنان تشكيلي.

والحديقة التي باتت تحمل اسمه ليست سوى قطعة الأرض التي اتخذها مقرا له، وكانت في الأصل حديقة منزلية خاصة، غير انه اضطر إلى فتح أبوابها أمام الزوار عام 1947. بعد تعرضه لحادث سير، ومن ثم قرر العودة إلى بلاده، حيث توفي عام 1962، تاركا وراءه بيته وحديقته واسم فنان من أولئك الذين انفتحوا على العالم وصاروا جسورا بين الحضارات.

سحر الشرق

كان لقاء ماجوريل الأول بالمغرب عام 1917، وهو في الحادية والثلاثين من عمره، وقد جاء إلى هذا البلد المشمس للعلاج من مرض رئوي، لكنه لن يبقى في طنجة التي وصلها في البداية وقتا طويلا، وسيغادرها إلى مراكش. وفي هذه المدينة سيؤكد ما اكتشفه في مصر من قبل، فقد سحرته بنورها وعطورها وأمكنتها، وقرر الاستقرار بها لأنه كان يريد أن يقدم شهادته عن أصالة أهلها وعن حياتهم اليومية، وعن الأسواق وصخبها الذي لا ينتهي.

في عام 1923 بدأ ماجوريل بناء بيته »بوصفصاف« في مراكش، على غرار قصور مراكش: بساطة هندسية، نافورات ماء ونباتات كثيرة ومنتقاة. وقد أنجز تصميم جميع التفاصيل، من الزخرفة على الجدران إلى الرسوم الهندسية على مصراعي البوابة الرئيسية الملونة بالأزرق والأخضر والأحمر القاتم. وهذه الألوان نفسها يستخدمها للديكور الداخلي مستوحيا الفن التقليدي المغربي. وبالإضافة إلى البرج، سيضع حوض ماء كبيرا أمام البيت، وأحواضا صغيرة كثيرة يوزعها في أرجاء الحديقة التي خططها وكأنها واحة من النباتات الغزيرة المتنوعة.

وفي 1980، يقرر مصمما الأزياء الفرنسيان بيير بيرجي وايف سان لوران شراء الحديقة وترميمها، وهاهي الحديقة الآن في قلب صخب الحياة تمنح السكون والاشراقة لجميع الزوار، فيما تضفي ألوانها وانعكاساتها الضوئية الروعة على المكان.

طيور ونباتات نادرة

عرف ماجوريل باهتمامه المبكر بالطبيعة، ودفعه اهتمامه إلى أن يجمع بين جنبات حديقته نباتات من القارات الخمس. ويجد الزائر خلال جولته في الحديقة خمس فصائل مهمة من الصبار، النخيل، الخيزران، المزهريات والنباتات المائية، كما سيجد إلى جانب المناظر الخلابة أنواعا مختلفة من الطيور النادرة. وثمة 1800 نوع من الصباريات والورود الاستوائية وأشجار الموز والسرخسيات العملاقة، و400 نوع من النخيل مفرزة لبهائها وعطورها على مسافة أربعة هكتارات مزينة بأحد عشر صهريجا.

ويكمن تفرد هذا المكان في تفاعل النباتات المميزة والعناصر الهندسية التي برع الفنان في تركيبها، وقد أعطت قوة اللون الأزرق للمكان رونقا لا يضاهى. وهذا اللون التي بات يعرف بـ »أزرق ماجوريل« بعض من عناصر مختلفة ساهمت كلها في جعل الحديقة عنوانا للجمال.

وفي عام 2000، جرى ترميم الحديقة من جديد وتزويدها بأهم وأحدث الوسائل، بما في ذلك أنظمة ري تلقائي، تقلص من استهلاك المياه. وإضافة إلى أهميتها الاقتصادية والبيئية، فان هذه الأنظمة تمكن من توزيع منظم للماء حسب ساعات اليوم والاحتياجات الخاصة لكل نوع من النبات. كما تم إغناء مجموعة النباتات بعدة أنواع نادرة وغريبة جلبت من مختلف أنحاء العالم، حيث أصبح عدد هذه الأنواع حاليا 300 نوع، بعد أن كان لا يتجاوز 135 نوعا في 1999.

أما المتحف الذي احتل محترف ماجوريل فيضم تحفا من الفن الإسلامي من المغرب العربي والمشرق وافريقيا وآسيا، بينها أوان فخارية وخزفية ذات قيمة عالية، وأسلحة وحلي بديعة، وأنواع بديعة من الأثواب والزرابي والتحف الخشبية. كما يضم أيضا فضاء مخصصا لإبداعات ماجوريل، مبدع الحديقة.

متحف طبيعي

إن حديقة ماجوريل ليست مجرد مكان ساحر، فثروتها الهائلة من النباتات النادرة وما تزخر به من كنوز فيه يجعل منها متحفا فريدا يختزل القارات الخمس.

الانبهار بمراكش

سحرت مراكش جاك ماجوريل وكشفته لنفسه فنانا لن يعيش في الوسط الفرنسي فقط بل سيتحرك أيضا في المحيط العربي. وبعد أشهر من وصوله يستقبله باشا المدينة ويصير من الشخصيات المحلية الشهيرة، ويدرك بسرعة أن هذا البلد سيكون بلده. وفي المعارض المتعددة التي يشارك فيها، في المغرب أو في فرنسا، ابتداء من عام 1920، يفرض نفسه بصفته رسام مراكش، أو رسام الجنوب المغربي.

رضا الأعرجي