منذ منتصف القرن التاسع عشر وحينما نجح الإنسان في اختراع الفيلم الحساس للضوء، بدأت مسيرة الثقافة البصرية تلعب دورا مهما في تسجيل أحداث التاريخ، وبدأ معه نقل المكان إلى أي مكان، وحال تحقق هذا القبض على اللحظة بحساسية مفرطة، صارت الصورة دليل إثبات.. ارتحل ذلك الصندوق السحري صائد الحركة والأمكنة والوجوه عبر حدود العالم..
عبر الرحلات الاستكشافية المغرية بالتوثيق..ومع تطور آليات التصوير الفوتوغرافي وصولا إلى التصوير الرقمي، ثم تطور الصورة مع الخيال الخلاق، تمت إحالة الصورة إلى حيز التجريب، ومن هنا تحولت هذه الأداة إلى وسيلة تعبير تحمل الجرأة والدلالة في الوقت ذاته..بلغ فن التصوير الضوئي مبلغه في عصر ما بعد الحداثة، وصارت فراسة المصور هي الأساس.حقق التصوير الضوئي انجازات كبيرة في مسيرة تسجيل التاريخ ولحظاته، ومنذ اختراع ذلك الصندوق المظلم الذي يتعامل مع الضوء بحساسية مفرطة تحول تسجيل التاريخ إلى منعطف مهم وبهذا فتحت الصورة مدارك أوسع للبشرية..
شهدت دبي منذ بداية العام مجموعة كبيرة من معارض التشكيل والتصوير الضوئي، منها لفنانين ومصورين ذوي شهرة عالمية، مستضافين، ومنها ما يمثل نتاج الداخل من إبداعات فنانين محليين وعرب وأجانب مقيمين، إلا أن معرض »أسفار إلى الديار المقدسة« والذي أقيم في الفترة من 15 سبتمبر إلى 4 نوفمبر2008 بتنظيم من هيئة دبي للثقافة والفنون بالتعاون مع متاحف رايس إنغلهورن الألمانية وأقيم في مركز دبي المالي قدم مشهدا ضوئيا اعتمد على ثلاث ركائز مهمة، جعلت من هذا المعرض حدثا فريدا شهدته الساحة الثقافية في الإمارات. الأولى ان المعرض كشف عن مجموعة نادرة من الصور الضوئية لا تتوفر في كل حين.
والثانية انه يقدم رواداً في فن التصوير الضوئي عرباً وأوروبيين هم الأوائل الذين اهتموا بتصوير المناطق المقدسة في المشرق العربي ومراحل الحج في مكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، وبيت لحم والقدس الشريف .. أما الركيزة الثالثة، فلأن عدسات أولئك المصورين الأوائل الذين تكبدوا عناء الترحال من اجل تسجيل تلك المشاهد وتلك الحالات سجلت لنا أيضا ملامح دقيقة لأناس من تلك الحقبة من التاريخ وأزياء تعكس ثقافتهم في الملبس وشيئا من ملامح المعمار النادر..
اما العنوان الرئيس لتلك المجموعة النادرة من الصور الضوئية في معرض أسفار إلى الديار المقدسة فيكشف أول احتكاك بين اختراع التصوير الضوئي والعالم الإسلامي، العصر الذي واجه فيه فن التصوير الضوئي ملامح الشرق الأوسط وثقافته وناسه، حينما كانت آلة التصوير صندوقا سحريا يقبض ما تلتقطه العين، يثبته ويعيد إظهاره من جديد..
ففي تاريخ التصوير الضوئي تشير المصادر التاريخية إلى ان مكة المكرمة والمدينة المنورة قد حظيتا باهتمام المصورين العرب والأجانب، وكانتا محط أنظار الرحالة الأوروبيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث لم تظهر أية صور شمسية لمناطق شبه الجزيرة العربية قبل عام 1861، علما بأن التصوير الشمسي قد اكتشف في العام 1830، وقد استحوذت الديار المقدسة على اهتمام أوائل المصورين في المنطقة.
ضم معرض »أسفار إلى الديار المقدسة« مجموعة فريدة من الصور الفوتوغرافية التي التقطها محمد صادق بيه لمواقع الحج في مكة المكرمة والمدينة المنورة. وتنبع أهمية هذه الصور من أنها واحدة من ثلاث مجموعات فقط لمحمد صادق بيه في العالم بأسره، علماً بأن إحدى المجموعتين الباقيتين موجودة لدى العائلة المالكة في المملكة العربية السعودية، والأخرى موجودة في فرنسا.
والمصري محمد صادق بيه، (1832-1902) يعتبر اول المصورين الأربعة للحج والحياة العامة في مكة المكرمة والمدينة المدينة المنورة وقد زار الأراضي المقدسة في مهمة عسكرية في ذلك التاريخ فقد كان من بين معداته آلة تصوير استخدمها لتصوير مشاهد عامة للحجاز وخاصة مكة والمدينة ومشاهد هندسية لواجهات العمارات والأماكن المقدسة وقد صدرت أعماله في أربعة كتب واستخدمت صوره في أعمال أخرى صدرت نهاية القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين.
كما ضم المعرض كذلك مجموعة صور نادرة التقطها السيد عبد الغفار عبدالرحمن وهو أحد الرواد العرب في مجال التصوير الضوئي والذي التقطت عدسته صوراً رائعة للحجاج وشعائر الحج.
وكان عبد الغفار صديقاً لكريستيان سنوك هرجروني وهوالخبير الهولندي في الثقافة العربية الذي يعد أول من التقط صوراً للحجاج المسلمين من مختلف مناطق العالم، بما فيها يافا وتيمبوكتو والمغرب وباكو ومكة المكرمة. وكان كريستيان سنوك هرجروني أول أوروبي التقط صوراً وثائقية لمختلف شرائح المجتمع والتي يظهر فيها شيوخ وشرفاء وباشاوات وفقهاء إضافة إلى أهالي مكة.
وتقول المصادر ان كريستيان سنوك (1857 ـ 1936) بأنه من ابرز الذين وثّقوا مكة بالصورة بعد محمد صادق حيث أرسلته الحكومة الهولندية في عام 1884 إلى جدة وبدأ بدراسة اللهجة المحلية تمهيدا لذهابه إلى مكة، وقد أمضى كريستيان سنوك ما يقارب من ستة أشهر في مكة، اعتنق خلالها الإسلام، ويقال انه أطلق على نفسه اسم «عبد الغفار»،.
وتزوج فتاة من جاوة، وبواسطتها اطلع على معلومات كثيرة حول الحج ومناسكه، وعادات المسلمين، والحياة الاجتماعية في المدينة. وخلال إقامته، التقط صورا لمكة وللحجاج القادمين إليها من مختلف أرجاء العالم الإسلامي.
مبادرات رائدة
معرض «أسفار إلى الديار المقدسة» جاء ثمرة تعاون بين هيئة دبي للثقافة والفنون ومجموعة متاحف رايس انغلهورن في ألمانيا ولتكون الشريك الأول الأوروبي لها في مجال المعارض، وقد وجه سمو الشيخ ماجد بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيس مجلس ادارة هيئة دبي للثقافة والفنون، كلمة بمناسبة افتتاح المعرض اشار فيها إلى ان استراتيجية هيئة دبي للثقافة والفنون ترتكز على تفعيل الحركة الفنية والثقافية في دبي ودولة الإمارات العربية المتحدة والمنطقة عموما من خلال مبادرات رائدة ومستدامة تثري الحياة اليومية لمختلف شرائح المجتمع، مؤكدا سموه على ان هيئة دبي للثقافة والفنون ستعمل على تنظيم المزيد من الأحداث المتميزة التي تتمحور حول تاريخ المنطقة وإرثها الثقافي والفني.
التاريخ بحاضره وماضيه
تحتل مجموعة متاحف رايس انغلهورن في مدينة مانهايم الألمانية مكانة مرموقة كواحدة من اكثر الاماكن استضافة للمعارض ومراكز الأبحاث، حيث تعرض التاريخ الثقافي بماضيه وحاضره في أربعة من مرافقها التي تضم متحف زوغهاوس ومتحف الثقافات العالمية متحف شلرهاوس ومتحف زفاير وهو مكان لفن التصوير.
كما تضم مجموعة المتاحف ثلاثة مراكز للأبحاث هي مركز الفن العالمي والتاريخ الثقافي ومركز دراسة وتحليل الآثار وهو معهد تابع لجامعة تيوبنجن. وتمتد مجموعة متاحف انغلهورن على مساحة إجمالية تصل إلى 11200 متر مربع وتحتوي على اكثر من مليون ومئتي ألف معروضة وهي تحظى بدعم قوي من البلدية كأكبر مجمع للمتاحف في جنوب ألمانيا.
مرعي الحليان



