تعتبر الشاعرة والروائية جوي نوزومي كوغاوا الكندية من أصل ياباني، أول وأهم من كتب عن تاريخ الجالية اليابانية في كندا فيما يتعلق بمرحلة الحرب العالمية الثانية، والمحنة التي مرت بها ابتداء من اعتداء اليابان على ميناء هاربر وانتهاء بإلقاء القنبلة الذرية على ناغازاكي، وذلك من خلال روايتها الأولى «أوباسان» التي حققت لها شهرة أوسع بكثير من كتاباتها الشعرية.

وتعتبر كوغاوا التي ولدت في 6 يونيو عام 1935 في فانكوفر، من الجيل الثاني من الكنديين اليابانيين. وروت في كتاباتها ما عاشته والعائلات اليابانية خلال تلك المرحلة من نفي وترحيل واعتقال في المعسكرات. تابعت بعد الحرب الدراسة في الجامعة إلى جانب تدريسها للمرحلة الابتدائية في كولديل، لتدرس بعد ذلك الموسيقى في جامعة تورنتو ثم المزيد من الدراسات. وفي عام 1957 تزوجت وأنجبت طفلين وحصلت على الطلاق عام 1968. نشرت كوغاوا العديد من دواوين الشعر والمقالات وأدب الأطفال، إلى جانب رواياتها «أوباسان» التي نشرت عام 1981 والجزء الثاني «إتسوكا» ونشر بعد أحد عشرعاما. وتناولت في روايتها «هطول المطر» ونشرت عام 1995، ظاهرة مختلفة من أمراض المجتمع.

ومن أهم مجموعاتها الشعرية «القمر المشظى» عام 1967 وتعكس فيها مشاعر مرحلة الزواج، أما الدواوين الأخرى مثل «طريق جيريكو» عام 1977، و»مختارات من الأحلام» عام 1974 وآخرها «امرأة في الغابة» ونشرت عام 1985 فتتناول ذات مواضيع روايتها الأولى. وتتميز أعمالها بأسلوبها الهادئ في تناول الأحداث، مع اتصاف معظم شخصياتها بعزة نفس فطرية إلى جانب قدرتها الأدبية الاستثنائية في السرد والتصوير.

حصلت كوغاوا على دكتوراه بمرتبة الشرف من سبع جامعات كندية، كما حازت على أهم جائزتين أدبيتين في كندا عن روايتها «أوباسان» واعتبرت من أهم 100 كتاب كندي. وفي عام 2005 شكلت لجنة اجتماعية طالبت بحماية بيت طفولة كوغاوا وتمكنت من شرائه عام 2006، لتقوم بتجديده حاليا لتأسيس برنامج للكتاب المقيمين. وتوزع الكاتبة وقتها حاليا بين فانكوفر وتورنتو وأونتاريو.

ويتضمن زمن الرواية التي تجري أحداثها في مدينة ألبيرتا، بعدين الحاضر من خلال أحداث عام 1970 والماضي من خلال العودة إلى الذكريات ابتداء من عام 1940. والسارد في الرواية هو بطلة العمل ناومي ناكين المدرسة التي ترى حياتها وإرث حياة عائلتها من خلال الحزن الصامت لخالتها أوباسان. تلك الخالة التي تعملق الحزن في جسدها الصغير ليصبح قوة بحد ذاته والذي خزنته عبر السنين بصمت كامل.

تبدأ الأحداث عام 1972، لدى ذهاب ناومي وعمها زوج خالتها إلى مدينة كولي، التي يزورانها سنويا في شهر أغسطس في الأيام التي ألقيت فيها القنبلة الذرية على ناغازاكي في 9 أغسطس 1945، ولكن دون أن تعرف ناومي الرابط بين زيارتهم وتلك المأساة. ولا يعرف القارئ وبطلة الرواية سر تلك الزيارات التي بدأت عام 1954 إلا في نهاية العمل.

وخلال وجود ناومي في بيت العائلة تطلعها الخالة أوباسان على صور أفراد العائلة، ومن ضمنها صور والدتها التي توفيت مع جدتها في اليابان حيث كانتا في زيارة لوالدتهما المريضة لدى قيام الحرب. تعود ناومي إلى بداية ذكريات طفولتها التي بدت لها سعيدة ومثالية في أجواء عائلية يسودها الحب والسلام قبل الحرب وانقلاب حياتهم بعد ذلك وإن كانوا من مواليد كندا.

كل ما تذكره ناومي من تلك الفترة تشرد وتشتت عائلتها من منفى إلى معتقل إلى معسكر. بعد مضي شهر على زيارة كولي، يموت زوج أوباسان وتعود ناومي إلى بيت العائلة والذكريات التي كانت تزيد عليها مما كانت تحكيه خالتها إميلي، ذات الشخصية القوية التي تهتم بالقضايا الإنسانية وتدافع عن حقوق جاليتها. وعلى الرغم من طلاقتها في الكلام كانت ناومي تندهش لصمتها التام لدى أي سؤال تطرحه بشأن المرحلة التي قضتها والدتها في اليابان قبل وفاتها.

وتبرز الكاتبة العلاقة العميقة الخفية بين ناومي الطفلة ووالدتها، التي وإن كانت تبعا للتقاليد والأعراف اليابانية محكومة بالصمت، إلا أن التواصل الداخلي كان عميق الأثر راسخا في ذاكرة ناومي حتى اللحظة الحاضرة. كما تتناول صرامة التقاليد التي كانت تزرع الخوف في نفس الطفلة إلى حد الاحتفاظ بما يؤلمها لنفسها وإن تعرضت للأذى من قبل جارهم العجوز الذي كان يسيء إ ليها حينما كانت في الرابعة من عمرها، اعتقادا منها أن البوح سيجلب العار للعائلة.

ولم يكسر حاجز الصمت ليحل اللغز المحيط بغياب ووفاة والدتها وجدتها، إلا لدى توافد الأقارب والأصدقاء للمشاركة في مراسم الجنازة، ومن خلالهم عرفت ناومي بعض المعلومات، لتقدم لها الخالة إميلي بعدها رسالتين الأولى من والدتها قبل الحرب والثانية من الجدة بعد انفجار القنبلة الذرية وتصف فيها معاناة الجميع وآلام وتشوهات ابنتها «والدة ناومي» حيث كانتا في ناغازاكي آنذاك. وهكذا تأتي النهاية بفك رموز شفرة الصمت التي تعتبر جزءا من ثقافة اليابانيين.

رشا المالح

الكتاب: أوباسان

تأليف: جوي كوغاوا

الناشر: أنكور 1993 كندا

الصفحات: 320 صفحة

القطع: المتوسط

Obasan

Joy Kogawa

Anchor 1993

P.320