«رقصنا طيلة الليل» كتاب عن تاريخ بريطانيا في فترة ما بين الحربين العالميتين، الأولى والثانية، وبالتحديد عن التاريخ الاجتماعي كما يشير العنوان الفرعي للكتاب. الفترة التي تتم دراستها في هذا العمل تغطّي عقدي العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي (العشرين). أما السمة الرئيسية التي برزت في التاريخ الاجتماعي لبريطانيا خلال تلك الفترة فتتمثل في صعود طبقة بورجوازية وسطى وتدنّي مواقع الأرستقراطية التقليدية. وهذا ما يشرحه المؤلف مارتن بو على مدى ال500 صفحة التي يضمّها كتابه.

ومن الملفت للانتباه أن بو يخالف الفكرة السائدة عن بريطانيا في الفترة المدروسة ومن أنها كانت تعاني من ظاهرة بطالة متفشية طالت شرائح كبيرة من اليد العاملة القادرة على الإنتاج ومن «صراع طبقي» محتدم. الصورة التي يقدمها المؤلف لبريطانيا آنذاك على أنها كانت مسرحا لدينامية اجتماعية حقيقية. وقد تميّزت أهم تعبيراتها بالبحث عن زيادة الدخل وتحسين منظومات الصحة وانتشار الكثير من السلع الراقية وبأسعار متهاودة.ويعيد مارتن بو مثل تلك الظواهر إلى رغبة الشعب الانجليزي في الانتقام من أشكال الحرمان التي عانى منها طيلة الحرب العالمية الأولى، الحرب الكبري كما تتم تسميتها. هكذا وك(تعويض عن زمن الحرب الصعب) أظهر البريطانيون تصميمهم على ممارسة رياضات الفراغ والتسالي بكل أنواعها. وهذا ما أراد أن يعبّر عنه عنوان الكتاب رقصنا طيلة الليل.

وهذا ما يدعمه المؤلف بالكثير من الحكايات والوقائع التي شهدتها بريطانيا آنذاك.وعلى خلفية الذكرى القريبة للحرب العالمية الأولى، ولكن أيضا الشبح الذي كان يرتسم في الأفق بنشوب حرب كبرى أخرى اكتسبت فترة ما بين الحربين نوعا من الهوية الخاصة التي لم تعرفها الفترات الحديثة الأخرى من التاريخ البريطاني الحديث.

وتلك الفترة هي أيضا التي شهدت بروز شخصيات جديدة على المسرح السياسي البريطاني مثل ونستون تشرشل الذي أصبح رئيسا لوزراء بريطانيا، وأحد قادتها التاريخيين اعتبارا من الحرب العالمية الثانية، ولكن كذلك بروز شخصيات أدبية ليس أقلّها شأنا اغاثا كريستي التي تعرّف الجمهور البريطاني على أعمالها عبر التلفزة والسينما في فترة ما بين الحربين العالميتين.

ويصحح مارتن بو في هذا الكتاب أيضا فكرة كانت قد سادت لدى النقّاد المعاصرين ومفادها أن المجتمع الانكليزي يفتقد إلى الانضباط ولا يتحلّى بقدر كبير من المسؤولية بل ووصفه البعض أنه مجتمع يساعد على انتشار الجريمة.

على مثل هذه الآراء يرد المؤلف برسم لوحة مغايرة يحاول فيها أن يقدم فيها الأدلة والبراهين على أن المجتمع الانكليزي كان في فترة ما بين الحربين «أبعد ما يكون عن الرذائل التي كانت قد عرفتها الفترة الفكتورية من دعارة وإفراط في تعاطي الكحول».

هكذا لم يتجاوز عدد المساجين في بريطانيا خلال الفترة المدروسة عن 000 11 سجين، كما يشير المؤلف.بالمقابل يؤكد بيوغ في تحليلاته على بروز ظواهر جديدة في بريطانيا آنذاك ولم يكن أقلها بروز شرائح بورجوازية جديدة من الطبقة الوسطى، وخاصة في الثلاثينات. ويعتبر أن ذلك العقد هو الذي كرّس أسس المجتمع الاستهلاكي الحديث في بريطانيا، خاصة فيما يتعلق بتأكيد مبدأ «أولوية الزبائن».

وتتم الإشارة إلى أن أحد المظاهر الأساسية لذلك الصعود «البورجوازي» تمثّل في تزايد الميل لدى شرائح واسعة جديدة من البريطانيين نحو «امتلاك المنازل»، ومما خلق دينامية جديدة وتنشيط عمل البنوك، وبهذا المعنى يتحدث الكتاب عمّا يسميه ديمقراطية الملكية.

والوجه الآخر لهذه الديمقراطيةهو ما وجده المؤلف في تعاظم ميل البريطانيين «من ذوي الدخل المتوسط» نحو التردد على المسارح ودور السينما ومختلف النشاطات الثقافية الأخرى بما في ذلك رياضة الغولف التي كانت محصورة كليّة تقريبا قبل ذلك بالشرائح الأرستقراطية.

فترة ما بين الحربين في بريطانيا لم تكن إذن سوداء كما حاول أن يرسمها اليسار البريطاني والعديد من «مثقفي» هذا اليسار الذين يذكر المؤلف بعض العينات من كتاباتهم كي يفنّد ما جاء فيها من أطروحات. ولا يتردد في وصف صورة وردية لها إلى هذا الحد أو ذاك.

وهذا ما يشرحه على مدى الفصول ال22 القصيرة التي عالج فيها جميع اهتمامات المجتمع من السياسة وحتى أبسط مسائل الحياة اليومية، وقدّم الكثير من التفاصيل المأخوذة من أراشيف مدينة لندن وغيرها. ولا ينسى أن يتطرق إلى مكانة المرأة في بريطانيا خلال فترة ما بين الحربين والتي يعبّر عنها أنها كانت العصر الذهبي للزواج.

تصحيح صورة

من الملفت للانتباه أن مارتن بيوغ يخالف الفكرة السائدة عن بريطانيا في الفترة المدروسة ومن أنها كانت تعاني من ظاهرة بطالة متفشية طالت شرائح كبيرة من اليد العاملة القادرة على الإنتاج ومن «صراع طبقي» محتدم. الصورة التي يقدمها المؤلف لبريطانيا آنذاك تقدّمها على أنها كانت مسرحا لدينامية اجتماعية حقيقية.

المؤلف في سطور

عمل مارتن بو أستاذا للتاريخ في جامعة «أليغار» الهندية ما بين عام 1969 وعام 1971 كي ينتقل بعدها للتدريس في جامعة «نيوكاستل» لمادة التاريخ البريطاني في عام 1999 ثم أستاذا للبحوث التاريخية في جامعة ليفربول حتى عام 2002.

والمؤلف زميل في الجمعية التاريخية الملكية البريطانية وأحد المسؤولين عن «المجلة التاريخية» في قناة ال«بي.بي.سي» في بريطانيا. سبق له وقدّم العديد من الكتب حول تاريخ القرنين التاسع عشر والعشرين.من كتبه:« بريطانيا منذ عام 1789»و«المرأة والحركة النسائية في بريطانيا»...الخ.

الكتاب: رقصنا طيلة الليل.. تاريخ اجتماعي لبريطانيا بين الحربين

تأليف: مارتن بو

الناشر: ذا بودلي هيد لندن 2008

الصفحات : 500 صفحة

القطع: المتوسط

we dance all the night a socail history of britain between the wars

Martin Pugh

The Bodley Head London 2008

P.500