«ثقافات مراهقة» كتاب عن «المراهقين» وآليات اندماجهم، أو «عدم اندماجهم»، في المجتمعات الغربية. وتتوزع مواده بين ثلاثة أقسام رئيسية تعالج بالتتالي: النزوع الاجتماعي لدى المراهقين ثم الحياة اليومية وأخيرا «معاناة المراهقين» وخصوصا في مواجهة العنف.

ما يؤكد عليه الكاتب دافيد لوبروتون وآخرون هو أن المراهقين اليوم قد ابتعدوا كثيرا، وإلى حد القطيعة تقريبا عن التقاليد وعن الأنماط السلوكية المقررة مسبقا وأيضا عن «الإيديولوجيات» عموما. وبهذا المعنى أصبحوا هم الذين يقررون «مسيرة حياتهم» دون «الانقياد» لأي سلطة. ويتم التأكيد في هذا السياق على مقولة «موت الأب» بالمعنى الرمزي للكلمة.ويركز الكتاب على أن الأسرة والمدرسة، أي «المؤسستين الرئيسيتين في تعزيز آليات الاندماج الاجتماعي» تشهدان تبدلات حقيقية عميقة وهما موضوع نقاشات مكثّفة اليوم في المجتمعات الغربية.

ويؤكد الكتاب على فكرة مفادها أن المراهقين اليوم لا يعرفون حياة اجتماعية سعيدة عامة، رغم توفّر كل وسائل الرفاهية المادية. هذا إلى جانب وجود علاقات متوترة عامة بين الجنسين بينما تزداد الممارسات التي تفتقر إلى القواعدالحضارية المألوفة وتزداد بنفس الوقت أيضا عمليات الابتزاز بين المراهقين على خلفية وجود «موازين قوى» تقوم على القوة الجسدية و التسلّط في أحيان كثيرة.

وتتبدّى «الثقافات المراهقة» على صعيد الحياة اليومية في مجموعة تعبيرات سلوكية شائعة إلى حد كبير في المجتمعات الاستهلاكية اليوم. وفي طليعة هذه التعبيرات تعميم استخدام الهاتف الجوّال ـ الموبايل ـ لدى المراهقين وتمضية ساعات طويلة أمام شاشات الحواسيب انتقالا بين ما تقدمه شبكات الانترنت من مختلف أشكال الثقافات وخاصة «الهابطة» منها إلى جانب ولع المراهقين ب«الصرعات الجديدة» و الماركات الجديدة، الخ.

بهذا المعنى يغدو المراهقون اليوم أسرى، إلى هذه الدرجة أو تلك، لمستلزمات المجتمع الاستعراضي وكأنهم باستمرار على خشبة مسرح . وتحظى مسألة «المراهقين والمدرسة» باهتمام خاص في تحليلات هذا الكتاب، ذلك على أساس أن المدرسة «ظاهرة اجتماعية» يتمثّل الهدف الأساسي منها في تحويل الطفل إلى إنسان بالغ .

لكن الصورة تغيّرت اليوم إلى حد كبير بحيث أن «فيليب ميريو» يؤكد في مساهمته المكرّسة لدراسة سلوكيات المراهقة في المدرسة أن المؤسسة التعليمية تواجه اليوم «جحافل البرابرة » من المراهقين الذين يريدون نسف كل مبادئها .

هكذا تجد نفسها أمام معضلة كبيرة. فمن جهة لا يمكن قمع كل مظاهر المراهقة في المدارسة خشية ردّهم ب«التغيّب عنها»، ولا يمكن، من جهة أخرى، أن تتخلّى المدرسة عن واجباتها التثقيفية خشية أن تغرق هي نفسها بحالة من الفوضى. ويشرح الكتاب واقع «الغياب» الكبير للاهتمام بفترة المراهقة داخل المدارس في البلدان الغربية المتقدمة، ذلك أن التركيز يتم على مرحلتين فقط هما الطفل و البالغ .

الطفل الذي يتلقى من البالغين ما ينبغي عليه تعلّمه ويتمثّل الكيفية التي يقدمون بها له العالم. والبالغ الذي لا يملك أحد الحق بفرض التوجه عليه ، باسم الحرية الفردية وحيث يمكن فقط لممثلي السلطات ذات الطابع الدكتاتوري» ولممثلي العقائد ولرجال الإعلان أن يقرروا مكانه ما هو الأصلح بالنسبة له .

لكن البالغ هو بالتعريف ليس بحاجة إلى أية وصاية، ولا تحد من حريّته سوى ترسانة من المبادئ القانونية والقواعد الإدارية . ويرى الكاتب أن هناك اليوم نوعا من تمرّد المراهقة بسبب «عدم التآلف» مع الثقافة المدرسية الكلاسيكية. ذلك على خلاف الماضي القريب حيث كان يمكن الجمع بين احترام التقليديين و النزعات التمرّدية .

المثال الذي يتم تقديمه لمثل هذه الحالة «ريجيه دوبريه» الذي سعى لاكتساب المعرفة الفلسفية والتزم بنفس الوقت بالحرب الثورية إلى جانب تشي غيفارا. وفي المحصلة يؤكد الكاتب على أنه ينبغي للمدرسة اليوم إذا أرادت أن تبقى مخلصة لطموحاتها اختراع مبادئ تربوية جديدة تجمع بين بناء الشخصية و المحافظة على بعد الحريّة.

دور المدرسة

تحظى مسألة «المراهقين والمدرسة» باهتمام خاص في تحليلات هذا الكتاب، ذلك على أساس أن المدرسة «ظاهرة اجتماعية» يتمثّل الهدف الأساسي منها في «تحويل الطفل إلى إنسان بالغ» . ويتم في هذا السياق التأكيد على الضرورة القصوى لإيجاد «روابط» اجتماعية معهم تتجاوز «الإجراءات الصارمة» الإدارية وغيرها التي تتعامل معهم بطريقة آلية .

المساهمون في سطور

دافيد لوبروتون، المشرف على كتاب «ثقافات مراهقة» ، هو باحث اجتماعي فرنسي أخصائي بمكانة الجسد البشري في المجتمع وبأشكال السلوكيات التي تنطوي على خطر، له ما يزيد عن عشرين كتابا من بينها: «الجسد والمجتمع» و«في مديح السير على الأقدام»و«سوسيولوجية الجسد».. إلخ. ومن المساهمين في الكتاب فيليب ميريو، ودانييل مارسيلي وباسكال دوريه وجميعهم اختصاصيون بشؤون المراهقة.

الكتاب: ثقافات مراهقة

تأليف: دافيد لوبروتون وآخرون

الناشر: اوترومون باريس 2008

الصفحات: 179صفحة

القطع: المتوسط

Cultures adolescentes

David Le Breton

Autrement - Paris 2008

P.179