«المياه، مصدر للتهديدات»؟ كتاب اختار مؤلفه بارا ميكائيل استخدام صيغة الاستفهام في عنوانه واعتمد في تحليلاته ب«صيغة التأكيد» ان المياه هي فعلا مصدر للتهديدات، بل إنها أحد أبرز التهديدات في القرن الحادي والعشرين بعد أن كان القرن الماضي (العشرون) قد عرف مصادر تهديد ارتبطت خاصة بالبترول على اعتبار أنه مصدر الطاقة الرئيسي.
وما يؤكده بارا ميكائيل أن رهانات النفط يمكن أن تعقبها اليوم «مواجهات» من أجل السيطرة على مصادر المياه. ومثل النفط أيضا تمثل المياه إحدى الثروات الاقتصادية القابلة ل«التسويق» وحيث يمكن ل«الذهب الأزرق» أن يغدو بمثابة مصدر للثروة لا يقل أهمية عن «الذهب الأسود». ومنذ البداية يشير المؤلف إلى أن موضوع المياه هو جديد ـ قديم، فإذا كانت منظمة الأمم المتحدة قد أكّدت في تقاريرها لعام 2005 أن الطلب العالمي على المياه »العذبة« في أفق عام 2025 قد يفوق كميات المياه المتوفرة في العالم، فإن عام 1977 كان قد سبق وشهد انعقاد ندوة دولية في «مار ديلبلاتا»، بدعوة من الأمم المتحدة أيضا، كان موضوعها بالتحديد هو رهانات المياه على الصعيد الكوني.
ويؤكد بارا ميكائيل أن تحدي المياه لا تواجهه منطقة واحدة في العالم. ذلك أنه، ومع واقع وجود تفاوت كبير في حدّة مشكلة المياه، يخص العالم كله، إذ من يستطيع اليوم أن يتجاهل هذا التحدي؟ ومهما تكن الإجابة فإن حروب المياه يمكن أن يعرفها العالم خلال هذا القرن. والأمر يتعلق أولا وأساسا بالطريقة التي تتم بها »إدارة المياه« على الصعيد العالمي.
ويشير بارا ميكائيل في معرض الحديث عن التوزيع إلى أنه يتسم ب«عدم التكافؤ» على الصعيد الكوني. ويحدد ثلاث فئات من حيث درجة الحاجة للمياه، وهي فئة البلدان التي تمتلك ما يقل عن 1700 متر مكعّب من «المياه القابلة للتجدد» كمعدل لاستهلاك الفرد سنويا ويعتبرها هشّة من زاوية ثروتها المائية.
وفئة البلدان التي تتراوح فيها كمية المياه للفرد في السنة بين 1000 و1700 متر مكعّب وهذه بلدان تثير حالتها القلق مائيا. وأخيرا البلدان التي لا تتجاوز حصة الفرد فيها في السنة 1000 متر مكعب من المياه وهذه تعاني بكل وضوح من الشحّ المائي. وعلى سبيل المقارنة فقط تبلغ حصة الفرد الفرنسي السنوية من المياه القابلة للتجدد كمية 3500 متر مكعّب.
وبالإضافة إلى عدم التكافؤ في توزيع المياه في العالم يثير المؤلف مشكلة الاستخدام غير المناسب للمياه بين البلدان الصناعية والبلدان النامية حيث تضرب الأولى أرقاما قياسية في المياه ل«أغراض صناعية» أو ل«الري» وما يترتب على هذا من درجة في زيادة التلوث وأيضا من »هدر« للمياه الصالحة للشرب.
ويرى بارا ميكائيل في هذا السياق أن عملية «تحلية مياه البحر» سوف تكون مستقبلا هي التقنية الرئيسية المتّبعة من أجل زيادة حجم مياه الشرب في العالم، مع ملاحظة أن هذه التقنية تتطلب كميات كبيرة من الطاقة . وفي مجال «الرهانات القانونية والجيوسياسية للمياه» يتعرّض المؤلف لموقف المجموعة الدولية أمام التحدي الكبير الذي تطرحه مشكلة المياه.
وبعد التأكيد على إدراك منظمة الأمم المتحدة وحكومات العالم والمنظمات غير الحكومية لمدى «جديّة» هذا التحدي، تتم الإشارة إلى مختلف «البرامج» التي جرى تبنيها دوليا والتي واجهت كلها صعوبات كبيرة في التطبيق نظرا للزيادة الكبيرة في عدد سكان العالم. وفيما يتعلق ب«الرهانات الجيوستراتيجية» للمياه يرى المؤلف أن مسألة السيطرة على مصادر المياه لا يمكنها أن تشكل «وحدها» سببا كافيا لنشوب «حروب المياه».
ولكن يمكن لهذا العامل، إلى جوانب عوامل أخرى، أن يؤدي إلى ذلك. المثال الذي يضربه المؤلف يتمثل في حرب يونيو التي شنتها إسرائيل. ويرى المؤلف أنه من الصعب الإجابة عن سؤال: ما هي حرب المياه التي قد تنشب أولا؟ وذلك لعدة اعتبارات في مقدمتها «الخلاف في المنظور» بين بلدان الشمال وبلدان الجنوب من حيث إدارة المياه، ثم هناك مشاكل الإمكانيات المادية والمالية.
ففي أميركا اللاتينية هناك وفرة في المياه ولكن هناك «عجزا» في البنى الأساسية وخللا في الإدارات الحكومية للمياه. والعجز نفسه في آسيا بالإضافة إلى الأخطار على البيئة المترتبة على إقامة السدود للري الزراعي في الصين أو الهند. ولا تشتكي القارّة الإفريقية من وفرة المياه وإنما من نقص البنى الأساسية والتوزيع. في الختام يضع بارا ميكائيل فرضية ، ويؤكد على أنها مجرد فرضية ، مفادها أن توترات حقيقية في حوض نهر النيل،بسبب المياه، قد تؤدي إلى قيام «وضع سياسي دقيق».
تحد كوني
يؤكد المؤلف أن «تحدي المياه» لا تواجهه منطقة واحدة في العالم. ذلك أنه، ومع واقع وجود تفاوت كبير في حدّة مشكلة المياه، يخص العالم كله، إذ «من يستطيع اليوم أن يتجاهل هذا التحدي»؟ ومهما تكن الإجابة فإن «حروب المياه» يمكن أن يعرفها العالم خلال هذا القرن. والأمر يتعلق أولا وأساسا بالطريقة التي تتم بها «إدارة المياه» على الصعيد العالمي.
المؤلف في سطور
عمل بارا ميكائيل، مؤلف هذا الكتاب، لفترة من الزمن مديرا لحلقة دراسية في معهد الجيوش الفرنسي ويقوم بالتدريس في جامعة باريس الثامنة. وهو باحث مختص بالمسائل المتعلقة بالرهانات الجيوسياسية الخاصة بالمياه في العالم إلى جانب اختصاصه بشؤون الشرق الأوسط على الصعيد الإستراتيجي في مركز العلاقات الدولية والإستراتيجية بباريس. سبق له وقدّم كتابا عن منطقة الشرق الأوسط تحت عنوان: «السياسة الأميركية في الشرق الأوسط».
الكتاب: المياه، مصدر للتهديدات؟
تأليف: بارا ميكائيل
الناشر: داللوز سيري باريس 2008
الصفحات: 153صفحة
القطع: المتوسط
L'eau, source de menaces ?
Barah Mikaïl
Dalloz Paris 2008
P.153

