«عمل المستهلك» عنوان قد يثير بعض «الالتباس» فالمستهلك ليس مرتبطا ب«العمل» وإنما باستهلاك عمل الآخرين. لكن العنوان الفرعي للكتاب يزيل كل التباس إذ جاء فيه: من ماكدونالد إلى ايباي: كيف ننتج معا ما نشتريه .
وإذا كان واضحا ما هو المقصود ب«مكدونالد»، أي مطاعم الوجبات السريعة «الاميركية الأصل»، التي انتشرت في جميع أنحاء العالم، فإن «ايباي» يشير إلى موقع «الانترنت» ذائع الصيت في أوروبا والعالم والذي «يبيع» مستخدمو شبكات الانترنت من خلاله ما يريدون «وضعه في السوق». مثل هذا النشاط تطلق عليه مؤلفة الكتاب ماري آن دوجارييه مقولة «عمل المستهلك» أو «الإنتاج المشترك في قطاع الخدمات» وخاصة في ميادين النقل والبنوك والتوزيع ونشاطات أوقات الفراغ وغيرها. وفي جميع هذه القطاعات هناك ألاف الأعمال التي يقوم بها المشترون والتي كانت حتى فترة قريبة حصرا على البائعين أو الصانعين.
ثم إن المستهلك، وفيما هو أبعد من القيام بالخدمات الذاتية الخاصة به، أصبح يقوم أحيانا بدور المصمم أو المسوّق أو المعلن أو المدرّب، هذا دون أن يكون «مستخدما» لدى أحد ودون أن يكون بالوقت نفسه «رب عمل». «عمل المستهلك» هذا تجد فيه المؤلفة «تحولا» كبيرا في الرأسمالية وفي «روحيتها».
«الشراء متعة، أما العمل فهو واجب»، هذه هي القاعدة التي تؤكد عليها ماري آن دوجارييه في بداية تحليلاتها ، وتؤكد المؤلفة أن مثل هذه الاستراتيجية ليست وليدة البارحة، وإنما لها جذورها القديمة. هكذا تشير إلى حالة «شستر برنار» الذي دعا المنتجين منذ عام 1935 إلى معاملة زبائنهم ك«مستخدمين لديهم جزئيا». مثل تلك الفكرة «الغائمة» آنذاك ب«تشغيل المستهلك« أصبحت اليوم بمثابة تجسيد لمفهوم «التنظيم العقلاني للعمل المأجور». وذلك عبر دعوته للمشاركة النشيطة وأن يصبح بمعنى ما «شريكا» أو «منتجا-مستهلكا».
الأمثلة التي تقدمها ماري آن دوجارييه كثيرة على «عمل المستهلك» مثل جميع العمليات ذات الخدمة الذاتية ك«سحب النقود» من مراكز التوزيع الآلي والمبيعات عن طريق الآلات دون وجود بائع. وفي مختلف الحالات التي أصبح المستهلك يقوم بها شخصيا بينما كانت تتطلب سابقا تقديم «الخدمات» فيها من قبل طرف آخر.
وهكذا أيضا تتحدث المؤلفة عن «مستهلك القرن الحادي والعشرين» والذي تمثل مشاركته عبر الزمن الذي يضعه للقيام بالعملية أو عبر استخدام كفاءاته المكتسبة أو أية وسيلة أخرى مساهمة في «الإنتاج» نفسه. وبهذا المعنى «يعمل من أجل أن يستهلك»، وتعتبر المؤلفة أن الوقوف في الصف الطابور- أمام صناديق الدفع في المخازن الكبرى يعني إضاعة الوقت. وهذا الوقت «المهدور» هو الذي يمكن «توفيره» عبر إيجاد آليات جديدة للدفع من قبل المستهلكين وبحيث تؤمن عنصرين يتمثلان في بلوغ سهولة أكبر وسرعة أكبر.
وما تقصده المؤلفة ب«عمل المستهلك» هو كل نشاط يتم تقديمه ويكون منتجا لقيمة بالنسبة للشركات المعنيّة به ويتطلّب الوقت أو الجهد. لكن المشكلة التي يواجهها المستهلك في عمله «الذاتي» أو ب«مشاركة آخرين» هو أنه قد يقلّص من كلفة الإنتاج لفائدة الشركات دون أن يحقق هو نفسه غالبا أي «توفير» في الوقت أو في الجهد.
هكذا إذن ودون أن يدرك ذلك، وهذا يشكل جزءً من استراتيجية تشغيل المستهلك، يعمل دون الحصول على أي مقابل. في الختام وعلى غرار المقولة الماركسية الشهيرة «يا عمّال العالم اتحدوا» تريد المؤلفة ماري آن دوجارييه أن تطلق صيحة شبيهة تقول «يا مستهلكي العالم كله اتحدوا».
بين المتعة والواجب
«الشراء متعة، أما العمل فهو واجب»، هذه هي القاعدة التي تؤكد عليها ماري آن دوجارييه في بداية تحليلاتها. ثم تشير إلى العديد من الوقائع اليومية التي يعرفها الجميع تقريبا مثل «البقاء نصف يوم» أمام الهاتف «المدفوع الأجر» حسب تعريفة محددة للدقيقة، وذلك من أجل معرفة كيفية تشغيل الحاسوب الجديد، أو مثل أن يمضي الإنسان أمسية كاملة من أجل «تركيب» مكتب صغير كتب صانعه عليه أن «تركيبه» لا يستغرق أكثر من 15 دقيقة.
المؤلفة في سطور
تعمل ماري آن دوجارييه أستاذة في جامعة السوربون الثالثة وفي كلية المشارب العلمية المتعددة «البوليتكنيك»، بباريس. وهي معروفة كباحثة اجتماعية اختصاصيّة بشؤون العمل والمنظّمات المعنية به. وتقوم بأبحاثها حول «علم الاجتماع الاقتصادي» في إطار نشاطات المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي. سبق لها وقدّمت كتابا أثار انتباه النقاد عام 2006 تحت عنوان: «الحالة المثالية للعمل».
الكتاب: عمل المستهلك من ماكدونالد إلى ايباي
تأليف: ماري آن دو جارييه
الناشر: لاديكوفيرت باريس 2008
الصفحات: 246 صفحة
القطع: المتوسط
Le travail du consommateur,de McDoa'ebay
Marie Anne Dujarier
La De'couverteParis 2008
P.246

