لم يكن أمراً مدهشاً لأحد أن ينجح الروائي الهندي أميتاف جوش في اقتحام القائمة القصيرة للأعمال المرشحة للفوز بجائزة مان بوكر في دورتها الأربعين بروايته »بحر الخشخاش«، التي تشكل الجزء الأول من ثلاثية تاريخية ممتدة سيصدر الجزء الثاني منها في عام 2010.

لكن المفاجأة حقاً كانت في عدم فوزه بالجائزة هذا العام، وخروج أسماء كبيرة من القائمة، على رأسها مارتن إميس وأنجيلا كارتر وجانيت ونترستون ومارجريت أتوود وزادي سميث. وقد بادرت مجلة «بزنس ويك» إلى إجراء هذا الحوار مع الروائي الهندي الكبير عند هذا المنعطف على وجه الدقة، حيث ألقى الضوء على روايته الجديدة وأدب تكنولوجيا المعلومات الهندي ورؤيته للكتابة الإبداعية.

«بحر الخشخاش» هي الجزء الأول من ثلاثية. لماذا ثلاثية؟

حسناً، إنني أريد التمكن من تأليف هذا الكتاب على أطول نحو ممكن، من حيث الصفحات ومن حيث الوقت أيضاً، فهو كتاب سيتطور كثيراً، وسأتابع هذه الشخصيات على امتداد وقت طويل.

تبدو شخصياتك قادرة على تجاوز فواصل الطبقة. هل هذا أمر مقصود؟

نعم، من المؤكد أن هذا هو الوضع بالنسبة لروايتي «مد الجياع» الصادرة في عام 2005، والوضع هناك لا يتعلق بالطبقة بقدر ما يتعلق بالقومية والنوع. لكنني أعتقد أن هذا الجانب من الصلات بين البشر هو شيء يثير اهتمامي، وربما له صلة بحياتي. وعندما أتأمل الأمر فإنني أجد أن الكثير للغاية من الارتباطات وبعضاً من أهم صداقاتي وعلاقاتي قد امتد عبر حواجز المكان أو القومية.

هل تتهدد هذه الارتباطات الإنسانية بالخطر بفعل القومية المتعاظمة التي نجمت عن الأزمات العالمية المتعلقة بالغذاء، النفط والطاقة؟

صحيح أن التعاون العالمي سيتعرض للخطر، ولكن ذلك لا يرجع فحسب إلى أزمات الغذاء أو النفط. وإنما النظام العالمي بأسره على وشك الانغلاق تماماً. واعتقد أن هذا تطور بدأ بحرب العراق. وبصفة أساسية فإن ما كانت الولايات المتحدة وبريطانيا تقومان به طوال السنوات السبع أو الثماني الماضية هو تقويض المؤسسات العالمية بشدة. ومن الصعب تبين كيف أن التعاون العالمي يمكن انجازه في مثل هذه الحالة.

ونحن في وضع نرى معه النظام العالمي يمضي إلى نوع من وضعية الانغلاق أو التوقف. ولست أظن أن ما سيحدث هو بروز النزعة القومية، لأن معظم الدول المهددة ليست قادرة على إغاثة نفسها قومياً. وأعتقد أن ما سيحدث هو أن هذه الكيانات فوق الإقليمية ستصبح أكثر أهمية بمرور الوقت، وهكذا فإن ما سنشهده هو بروز وضعية مجالات المصلحة.

هل تعتقد أن الكتاب تقع على كاهلهم مسؤولية اجتماعية؟

اعتقد أن الأمر ليس مقتصراً على الكتاب، فكل إنسان تقع على كاهله مسؤولية اجتماعية، ولست أظن أن مسؤولية الكتاب تتجاوز بأي حال مسؤولية الآخرين. وبالتأكيد فإنني لا أعتقد أن بمقدور المرء أن يضع المسؤولية على كاهل الكتاب. أقصد أن الجميع يتحمل هذه المسؤولية.

لكن الكتاب لهم جمهور مهم وقدرة على الوصول إلى الناس..

إن من يتمتعون بجمهور واسع النطاق حقاً وقدرة على الوصول إلى الناس هم صانعو الأفلام ونجوم موسيقى البوب ونجوم بوليوود. فلهم جمهور هائل. ولكن كل فيلم يخرج من بوليوود يشبه الأفيون بالنسبة للمستهلكين، الأمر بأسره هو فانتازيا استهلاكية هائلة. لماذا تعد مسؤولية الكاتب أعظم من مسؤولية هؤلاء؟

إنني أعتقد أننا إذا لم نصبح واعين بكثير من هذه القضايا بسرعة حقاً فإننا سنختنق. البلاد بأسرها ستختنق.

ما الذي تقصده بقولك إن البلاد بأسرها ستختنق؟

من الأمور التي أصبحت واضحة للغاية أن النموذج الغربي للنمو الرأسمالي الذي كان يطرح على العالم الثالث على امتداد سنوات طويلة لم يكن من البداية إلا خدعة، لأن هذا النموذج لن يكلل بالنجاح إذا اتبعه العالم بأسره. فهو لن ينجح إلا إذا اتبعته أقلية محدودة. ولذا فإننا اليوم في وضعية يكشف فيها النقاب عن الخدعة باعتبارها كذلك. وهذا ما قلته على امتداد سنوات.

وفكرة طريقة الحياة الأميركية، التي يجوب الأميركيون العالم قائلين إن الدنيا بأسرها ينبغي أن تتبناها، هي خدعة كاملة. ولا سبيل إلى الدفاع عنها، وكل من لديه ذرة من عقل سيعتقد ذلك منذ البداية. والأمر لا يقتصر على ذلك، بل إنني اعتقد أن الدول الغربية ستتدخل عسكرياً لمنع انتشار هذا النموذج على مستوى العالم، واعتقد أن اليوم الذي سنشهد فيه ذلك ليس بعيداً.

ولذا فإذا كان السؤال الموجه إلي هو حول طبيعة مسؤولية الكتاب والمفكرين والمعنيين بالمجال العام، فإنني أقول إننا أوجدنا ثقافة النزعة الاستهلاكية هذه، وأنا لست ضدها بأي حال، لأنني أعتقد أنها في العديد من الجوانب أوجدت الكثير من الآمال والفرص في الهند، ولكن علينا أن ننشرها بذكاء بطرق معقولة وممكنة بالنسبة لنا.

وهكذا فإن أول شئ لابد أن يكون تحقيق استثمار هائل في البنية التحتية، وهو استثمار ليس موجوداً. ونحن نعمل بطريقة مناقضة، حيث توجد المزيد والمزيد من الثروة الخاصة، ولكن من دون أي بنية تحتية عامة على الإطلاق.

إلى أين يمضي هذا الاتجاه؟ إلى أين يمكن أن ينتهي؟

هناك اليوم في الهند اتجاه قوي قوامه روائيون هم أصلاً اختصاصيون في تكنولوجيا المعلومات..أعتقد أن أحد ألمع الجوانب في الكتابة الهندية المعاصرة يتمثل فيما اسميه برواية تكنولوجيا المعلومات. وأنا أحب الكتب التي تنتمي إلى هذا الجنس الأدبي. وقد اعتقدت أن كتاب تشيتان بهجت الأول بعنوان «خمس نقاط من أحدهم» هو عمل مذهل.

وكتاب أميتافا باجيتش «فوق المتوسط» هو أيضاً عمل مميز. إنه جنس أدبي تتميز به الهند. ولست أعتقد أن الناس في أي مكان آخر يهتمون بالقراءة عن مجموعة من الشباب غريبي الأطوار الذين يشقون طريقهم، لكنني أجد أن هؤلاء الشباب رائعون.

يقول المنظمون السياسيون إن هناك انتقالاً في المراكز الجيوسياسية التقليدية المتعلقة بالنفوذ هل هناك تحرك مماثل ـ من الغرب إلى بقية العالم ـ يحدث في الأدب أيضاً؟

إنني أدرك ما تقوله. من الواضح أن هناك انتقالاً ببعض الأشكال. وأعتقد أنه اليوم ليست هناك مجموعة من الكتاب في أي مكان من العالم تحظى بجمهور أوسع نطاقاً مما نحظى به نحن الكتاب الهنود. أقصد أنك إذا قمت بتجميع الأرقام فإن هذا هو ما ستكون عليه الحال. والأمر لا يقتصر على نوعية واحدة من الكتب، وإنما هناك أنواع عديدة منها، وهو أمر جيد للغاية.

ولا يرجع ذلك فقط إلى أنني أعتقد أن هذا الاتجاه سيستمر، وأنا أعرف الكثير من الكتاب الأصغر سناً مني، وأعرف كم هم جيدون وأنهم سيحققون الكثير. أما الجانب الآخر فإنه يتعين تذكر السر في أن هذا يبدو إخلالا بالتوازن، ومرد ذلك إلى أننا في السابق اعتدنا الحصول على كتب بريطانية وأميركية فحسب.

والأميركيون والبريطانيون لديهم صناعة نشر وترويج هائلة تدعمهم، ومن هنا فإن حضورهم في السوق كان هائلاً. أما الآن فإنني عندما أتطلع إلى الوراء، إلى أيام دراستي الجامعية في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وأنظر إلى بعض الكتب التي كانت تصدر آنذاك. هل كانت تلك الكتب جيدة؟ لا، ليس بالضرورة، ولكنها كانت تقدم لنا على أنها كتب عظيمة وما إلى ذلك.

المؤلف في سطور

ولد الروائي الهندي أميتاف جوش في كالكتا في عام 1956، ونشأ وتلقى تعليمه في بنجلاديش، سريلانكا، إيران، مصر، الهند والمملكة المتحدة. وحصل على الدكتوراه في الانثروبولوجيا الاجتماعية من جامعة أكسفورد. أصدر روايته الأولى بعنوان «دائرة المنطق» في عام 1986، وقوبلت بنجاح كفل ترجمتها إلى عشر لغات، وتتالت رواياته عقب ذلك وأبرزها «خطوط الظل» (1988) و«في أرض عتيقة» (1992) و«العد التنازلي» (1999) و«القصر الزجاجي» (2000) و«مد الجوعى» (2001) ومؤخراً صدرت روايته «بحر الخشخاش» لتشكل الجزء الأول من ثلاثية يعكف على إنجازها حاليا.

منى مدكور