مع الإطلالة الأولى على صفحات رواية «بحر الخشخاش» التي أطلقها الروائي الهندي اميتاف جوش باعتبارها الجزء الأول من ثلاثية ينتظر أن يصدر الجزء الثاني منها في عام 2010، يبدو واضحاً الطابع الملحمي والبانورامي الهائل لهذا العمل الآخذ في التشكل، الذي يصفه المؤلف بأنه سيصحبه على امتداد أعوام طويلة مقبلة.

تقع أحداث الرواية في عام 1838، أي قبيل اندلاع حروب الأفيون الشهيرة بين بريطانيا والصين، وبهذا المعنى فإنها تبدو لنا مغامرة مترامية الأطراف تعج بحشد من الشخصيات التي تتجاوز المئات وتضم في رحابها العديد من القصص المتداخلة، التي تنتقل ما بين الفقر والغنى، الأمل واليأس، وأيضاً الأصابع الطويلة ذات الأظافر الدموية لتجارة الأفيون.في جوهر الرواية تكمن السفينة «إيبيس» وهي سفينة كانت في السابق تستخدم في تجارة الرقيق، ونحن هنا نلتقيها وهي في طريقها من كالكتا إلى موريشوس، ومع مضي الرواية في مسارها تصبح السفينة العتيدة وطناً لحشد متنوع من المهاجرين، يتم توصيف كل منهم على نحو شديد البراعة.

من قلب هذا الحشد تبرز ديتي، التي ترى كل شيء، وهي شابة قروية، تم إنقاذها في اللحظة الأخيرة من المحرقة التي أعدت لها في جنازة زوجها. لكنها ليست وحدها التي تستقطب اهتمامنا فهناك أيضاً زكاري رايد، وهو رجل محرر من بالتيمور يتعين عليه أن يصارع ماضيه بما يحفل به من شياطين وهولات.

ونحن أيضاً على موعد مع سيرانج علي، رئيس طاقم بحارة السفينة، والذي يلفت نظرنا فيه محياه الذي كان حرياً به أن يكون موضع حسد «جنكيز خان» على حد تعبير أميتاف جوش. هناك أيضا نيل، وهو راجا مفلس يمكن لحضوره أن يجعل قاعة مليئة بالناس تلزم الصمت. تاركا خيوطاً محدودة وأخيراً من الصوت تطفو في لطف على الأرضية، مثل الأطراف الممزقة لشريط .

ونتوقف أيضا عند اليتيمة الفرنسية الموهوبة بوليت، ورفيق روحها الهندي جودو إبن النوتي الهندي، وهما يشكلان معاً أخوين على متن السفينة يبحث كل منهما عن مصير جديد. هكذا تتوالى أمامنا مئات الشخصيات المرسومة باقتدار هائل. بل إننا نصادف لاعبين ثانويين يتم رسم شخصياتهم بعرض لافت للنظر في المادة التي يتشكلون منها.

وتبرز أيضاً القدرة المدهشة المعروفة عن الروائي الهندي الكبير على أن يضفي على رواياته إحساساً فائقاً بالمكان الذي تتحرك فيه الشخصيات وتجري الأحداث. وتتوقف أيضاً عند ألوان الهند الكولونياليه ، روائحها، غبارها، مشاهدها الحر، العرق، وقائع الحياة اليومية المتدفقة كنهر هادر يجري من الجحيم إلى الجحيم.

أنظر إلى الصورة التي يرسمها المؤلف لكوخ خشبي الجدران في إحدى القرى وهو يطفو كأنه قارب صغير على نهر من الخشخاش . وها هي دار لأحد التجار تتسم بالرحابة وتمضي وقائع الحياة فيها وفقاً لمراسيم ثابتة.

وفي قلب كل هذا، لا مجال لأن يغيب عنا مصنع سودر للأفيون الذي يمتلكه البريطانيون والذي يحفل بالعمال الذي يبدون ذاهلين وقد غامت عيونهم في غمار أدائهم لعملهم الذي يبدو قدراً مقدراً عليهم، فلا هم يفرغون منه، ولا هو يتوقف. وهم يكدحون فيه «بطيئين كالنمال في العسل» على حد تعبير المؤلف.

غير أن العنصر الأقوى في الرواية بأسرها هو تصوير جوش للحياة على متن السفينة «إيبيس» فيما هي تندفع عبر مياه خليج البنغال الزرقاء، حيث تقعقع أشرعتها في الريح، وقبضتها ملتهبة للغاية «بدا الأمر كما لو أن لحم المهاجرين يذوب على عظامهم».

والواقع أن الأحداث المحتدمة في الرواية تبدأ في مارس من عام 1838 بوصول السفينة «إيبيس» إلى جزيرة جانج ـ ساجار وفي وقت واحد إلى كالكتا، حيث توقفت عن أن تكون «صائدة طيور سوداء» مع إلغاء تجارة الرقيق، التي كانت تشكل عملها الذي لا تعرف لنفسها عملاً غيره. أما الآن فإنها تنقل العمال الكادحين إلى موريشوس.

في الهند ستنضم السفينة العتيدة إلى الحملة التي تعدها لندن، من خلال انطلاق حرب الأفيون الأولى وهو الاسم الذي سيطلقه المؤرخون عليها لاحقاً، حيث غدا واضحاً للجميع الطابع الخطير عما يمكن أن تتعرض له صناعة الأفيون في الهند التي يهيمن عليها البريطانيون إذا واصل الصينيون الحيلولة دون دخول الأفيون إلى بلادهم.

وسرعان ما نعلم أنه وراء ألوان الخشخاش المتألقة تكمن الحقائق الرهيبة لزراعته المفروضة فرضاً، وطرق جمع العصير، والأنشطة التي يتم القيام بها في المصنع لتحويل هذه المادة الخام إلى منتج نهائي، والاستخدامات الطبية للأفيون، وتأثيره الرهيب.

وفي قلب هذه اللوحة البانورامية الهائلة تبرز الشخصيات المحتشدة التي أطللنا على بعضها، والتي اجتثت من جذورها، ومضت تبحث عن بدايات جديدة، ولدى كل منها قصة تروى، وحكاية تنسج، وأسرار تحجب عن العيون والآذان. وقد كان من الطبيعي لعمل ملحمي بهذا العمق أن يتوقف عنده الكثير من النقاد، خاصة مع اقتحامه القائمة القصيرة لجائزة بوكرمان في دورتها الأربعين.

دعنا أولاً نتوقف عند تأكيد مطبوعة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة في غمار حديثها عن هذه الرواية، حيث تقول: حشد الشخصيات رائع والحبكة ممتدة على نحو باهر، ولكن البطل الحقيقي هو اللغة الانجليزية التي نادراً ما أعطت هذا الإحساس بالحيوية والتوهج .

وبدورها تقول صحيفة «أوبزرفر» اللندنية إن هذه الرواية: ملحمة ثرية بصورة ملحوظة، تحفل بالكثير من الحركة والمغامرة على طريقة دوما الأب والابن، ولكن مع لحظات من التعمق على طريقة تولستوي وقطرة أو أخرى من مشاعر ديكنز .

ويقول الناقد مايكل بنيون في مقال مطول بصحيفة «تايمز» اللندنية عن الرواية: يتم استحضار هند الثلاثينات من القرن التاسع عشر بشكل رائع، ولا تتردد صحيفة «ديلي ميل» في القول عنها إنها: عمل ملحمي.. فيما أكدت «إيكونوميست» أن في الرواية عيباً واحداً، هو ان على الراغبين في معرفة الخاتمة انتظار 2010 لصدور الجزء الثاني من الثلاثية.

السفينة الشبح

هلت رؤية سفينة عالية الشراع، تبحر في المحيط، على ديتي في يوم كان يمكن أن يكون لولا ذلك يوماً عادياً، ولكنها عرفت في التو أن هذا الشبح كان مؤشر مصير، حيث إنها لم تر مثل هذه السفينة من قبل قط، حتى ولا في الأحلام. وكيف كان يمكن لها أن تراها وهي تقيم في شمالي بيهار على بعد أربعمائة ميل من الساحل؟ كانت قريتها موغلة في بعدها في اليابسة للغاية بحيث أن البحر بدأ بعيداً للغاية كأنه العالم الأرضي، لقد كان فالق الظلام، حيث اختفت جانجا المقدسة إلى رحاب الكالا رباني أو الماء الأسود».

مقتطف من رواية «بحر الخشخاش»

الكتاب: بحر الخشخاش

تأليف: اميتاف جوش

الناشر: جون موراي لندن 2008

الصفحات: 471 صفحة

القطع: المتوسط

Sea & Poppies

Amitav Ghosh

John Marray

London 2008

P.471