تعالج المؤلفة ميديا محمود في كتابها «العنف ضد المرأة» ظاهرة العنف الممارس ضد المرأة (التي أصبحت من الموضوعات الأكثر جدلا في أيامنا الراهنة) في إطار عام وتتخذ من المرأة الكردية نموذجا لدراستها تركز ميديا محمود في فصول كتابها على قضية العنف التي استهدفت المرأة في السنوات الأخيرة وسجلت تزايدا سواء في أوروبا والغرب أو في دول منطقة الشرق الأوسط ومنها المرأة الكردية.

وبالنسبة للمجتمع الكردي تشير المؤلفة إلى كثرة حالات قتل أو اختفاء فتيات ونساء بطرق غامضة في المجتمع الكردي، ويكمن السبب في مسمى واحد هو الشرف، هذا الشرف الذي لا يدنس بجرائم القتل، والسرقة والكذب!..

فقط التجاوزات الجنسية هي التي تدنسه، إنه نوع مما يسمى ب«غسل العار» هي التتمة الطبيعية لعقدة النقص، السمة الأساسية لسيكولوجية «الإنسان المقهور» (بحسب د. مصطفى حجازي) هذا الإنسان المنطوي على ذاته والمتخلف، لأن الإنسان العشائري بحسب المؤلفة ـ يسقط كل عاره على المرأة، مما يتيح له الاحتفاظ بمظهر القوي.

راسخ البنيان أمام الآخرين، بعد تحميل الزوجة أو البنت أو الأخت عبء تجسيد عاره، وترى أن المسؤولية في حوادث الإخلال بالشرف هذه يجب أن تقع بالدرجة الأولى على عاتق ذكور العائلة وفق قوانين البطريركية، مع اعتبار أن الرجال هم الأوصياء على نساء العائلة وهم يتحملون عبء الحفاظ على الشرف العائلي وصونه، وتنتقل هذه الوصاية على المرأة من الأب والأخ إلى الزوج بعد زواج المرأة .

وفيما يتعلق بالعنف الفكري تعرف المؤلفة هذا العنف بأنه: مصادرة حرية التفكير والتعبير لدى المرء والتأثير في قراراته. أما العنف الفكري ضد المرأة تحديدا فيشمل كل التنظير الذكوري عبر التاريخ الذي دأب فلاسفة وساسة ورجال دين منظرون ومفكرون على ترسيخه وتعزيز عوامل حمايته، وهو يهدف إلى ترسيخ أفكار مفادها أن المرأة هي دون الرجل لأن البيولوجيا تحتم عليها ذلك.

ولأن مورثاتها كأنثى تفرض عليها محدودية التفكير والضعف الجنسي، مما يجعلها غير مؤهلة سوى للقيام بأعمال بسيطة مبتذلة، نتيجة لهذا الفكر تم إقصاء المرأة عن عالم الفكر بطريقة منهجية وحصر اهتماماتها ضمن نطاق الأعمال المنزلية وإنجاب وتربية الأولاد.

وتشير إلى أنه في العالم الإسلامي وقف بعض المفكرين والفلاسفة التقدميين إلى جانب المرأة، وذلك في محاولة لإنصافها عبر قراءة جديدة للنصوص الدينية التي تشرح أحوال المرأة المسلمة وبحث الأسباب والظروف التاريخية التي أنزلت فيها هذه النصوص وآلياتها، ثم الحيثيات والعوامل التي أدت إلى تشريع الأحكام المناوئة للمرأة قياسا على تلك النصوص.

يتصدر قائمة مناصري المرأة في العالم الإسلامي من المفكرين الرجال قاسم أمين، الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي، والمفكر التونسي الطاهر الحداد، كما كان لبعض الأدباء والمفكرين الكرد مواقف مناصرة للمرأة كالشاعر الكردي الكبير «جكر خوين» الذي دعا إلى تعليم المرأة ورفع الحجاب عنها في إحدى قصائده، كما شجع مشاركتها في الحياة السياسية والكفاح المسلح ضد الظلم والاضطهاد .

أما عن العنف الاقتصادي فتشير المؤلفة إلى أن التمييز في توزيع النشاطات المهنية بين النساء والرجال وفق التقسيم الجندري من أهم تعبيرات هذا العنف، ثم يلي ذلك تبخيس جهد المرأة ماديا ومعنويا، إذ تقبض المرأة أجورا أدنى من الرجال خارج المنزل، أما اغلب ما تقوم به النساء من أعمال منزلية فيستغل دون مقابل، أو مقابل أجور زهيدة، أما المرأة الكردية فتقل فرص العمل أمامها، وما يتاح لها من أعمال هي ذات طابع أنثوي، تستغل كفاءات أنثوية ملقنة لهذا الغرض (ممرضات، معلمات، بائعات، سكرتيرات).

أما النساء غير المتعلمات في الريف وأحيانا في المدينة، فيقمن بالعمل في القطاع الزراعي الخاص، حقول القطن والعدس، حيث الظروف المناخية القاسية والشروط الصحية المتردية، مما يتسبب في حالات كثيرة منهن بأمراض يصعب الشفاء منها، وتكاد لا توجد من النساء الكرديات العاملات في حقل التجارة أو المقاولات .

وفي ختام كتابها الحالي تذكر المؤلفة جهودا دولية لمناصرة المرأة فتتطرق إلى: إصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 3318 (د- و2) المؤرخ في 14 ديسمبر 1974 م بشأن حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والمنازعات المسلحة، كذلك انعقاد مؤتمرات نسوية دولية كان من أبرزها مؤتمر«بكين» 15/ 9/ 1995. كما أعلنت الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة (25) من نوفمبر يوما دوليا للقضاء على العنف ضد المرأة.

العنف ضد المرأة في الدول المتقدمة

تشير ميديا محمود إلى أن العنف ضد المرأة قد ازداد في الدول المتقدمة ففي ألمانيا هناك نسبة أكثر من 40% من النساء تعرضن سواء للعنف الجسدي أو الجنسي وذلك منذ بلوغهن سن السادسة عشرة وفقا لمصادر المفوضية الأوروبية، وفي دولة مثل فرنسا تم تسجيل 400 حالة من الوفيات نتيجة للعنف، وتتطرق المؤلفة إلى أشكال العنف فتجدها في عدة أشكال: العنف الصريح العنف المبطن العنف الجسدي السادية.

ولعل أبرز أشكال العنف الممارس ضد المرأة ما يسمى ب«جرائم الشرف» تعد جريمة القتل بدعوى سوء السلوك الجنسي إحدى أخطر الجرائم التي تهدد حقوق الإنسان عامة وحقوق المرأة خاصة، حيث تنحر على مذبح الشرف المجتمعي الذكوري سنويا خمسة آلاف امرأة، ولا يتلقى مرتكبو جرائم القتل هذه من الرجال العقاب القانوني العادل الذي يستحقونه، كذلك غالبا ما يفلت الرجل الشريك في انتهاك الشرف من العقاب المجتمعي العام.

حواس محمود

الكتاب: العنف ضد المرأة

تأليف: ميديا محمود

الناشر: المؤلفة نفسها

الصفحات : 170 صفحة

القطع: المتوسط