تجلس في حضرته فيأسرك بحضوره، فإذا أنتما صديقان ودودان منذ عمر مضى، يكسر الحواجز ويمضي في الحديث، وهو يسترسل إلى الطفولة الأولى، إلى الدار الحلبية الكبيرة، حيث يعرّش الياسمين على جدار الجيران، وينثر نشوته المبكّرة على خضار الدار والحجارة الغشيمة، ثم تنهض صبية وقد اشتعل رأسها بنشوة العشق لتبارك روحها المتدفقة بأريج المكان... ولم تنتظر شجرة الكباد كي تغذيها بالرائحة النفّاذة، بل راحت تجمع الزهر في سلال العمر، وتسلّم على الدهشة المتربصّة في ألق الذاكرة.
باحة الدار الكبيرة كصدر امرأة امتلأ حضنها بالرحمة، وفي وسط الباحة تقصّ البحرة حكايات لم تنته بعد، والصبية تقرأ في دفتر الوردة... ربمّا تحكي لها أسراراً لم تقترفها بعد... الأولاد كانوا يتسلقون شجرة المشمش، والنساء في طرف قصي من الدار يثرثرن بالمؤامرات الصغيرة التي سوف تكون عند المساء...
لا أحد يدري، كيف صاح الولد مغنياً، وظل كل شيء في الطبيعة يتابع مجراه بصمت، الأشجار ظلّت توحّد الواحد القهار، المياه في البحرة دفعت تسوقها مع النسمة الضاحكة... النساء قلبن فناجين القهوة... امرأة واحدة أنهضت طولها ومضت إلى الأولاد، وعندما سألت عن صاحب الصوت، رفع أحد التلاميذ إصبعه كمن لم يحضّر واجبه المدرسية وينتظر العقوبة المفروضة.
أخذته المرأة بين ذراعيها المكشوفين، وسألته عن اسمه... قال لها: أنا... صباح، قبلته من عينيه، وقالت له: يا صباح الخير، تعال إلي... وجاءها... كل يوم لتعلمه أبجدية القول والموّال... وبدأ معها فاتحة، يا ليل... وطلبت إليه أن يغني:
«غرّد يا بلبل وسلّي الناس بتغريدك»
كان، يا ما كان، ننام أم نغني ونسمع أجمل الألحان...
نغني... وراح الولد صباح يدأب على حنان المرأة... يجالسها كل يوم لساعة أو أكثر... وهي آلت على نفسها أن تعلّمه حديث السهر ولغة العشاق، تعزف له ويغني لها حتى أدخلت في رأسه حبّ الغناء وحبّ الحياة معاً، لتسلمه إلى أخيه الذي كان هو الآخر يعشق الطرب والغناء ويحضر سهرات الفنانين، يجالسهم ويغنّي معهم.
فمضى صباح وهو في الثانية عشرة من عمره إلى سهرات أخيه، فيجالس رفاق الطرب ويسمع مواويلهم وألحانهم، ويحفظ كل أسرارهم عن ظهر قلب. وعندما اكتشف الساهرون وبينهم بعض الفنانين جمال صوته، أدخلوه في عزلة غنائهم، ليغني لهم ما حفظ وتعلّم... إلى أن تلقفه عازف العود الشهير محمد رجب فراح يلقنه يعلمه ويحفظه أصول العزف والغناء.
إلى أن أسس فخري البارودي «النادي الموسيقي الشرقي» وساهم بدعمه مادياً ومعنوياً واجتماعياً، وأشرف على المعهد فعلياً لمدة عامين، وتمكن عن طريق الفنانين المتميّزين من أمثال : عمر البطش، مجدي العقبلي، سعيد فرحات وعزيز غنام من تكريس المعهد لإحياء الأعمال التراثية كالموشحات والقدود وفن رقص السماح والأدوار.
بعد عودته إلى حلب وتخرّجه من المعهد، نصحه عزيز غنام أن يتوقف عن الغناء فترة خمس سنوات، وهي فترة البلوغ، يصمت خلالها نهائياً... فأخذ بنصيحته، ليحافظ على صوته، وخلال ذلك راح يدرس في المعهد العربي الإسلامي ليتابع تحصيله الدراسي، إلى أن نال شهادة وأصبح معلماً في إحدى المدارس الابتدائية لسنة ونصف، ولما أحسّ باستقرار صوته، عاد إلى الفن، وإلى الوظيفة في الإذاعة.
وبعد ذلك تخلّى عن الوظيفة ليتفرّغ لحفلاته، وعندما افتتح التلفزيون السوري، كان أحد مؤسسيه، وشارك في برامجه، وقد أظهره جميل ولاية في برنامجه «الموسيقى العربية» الذي كان يعرّف فيه المشاهدين على الفن والفنانين... ثم شق طريقه، وها هي الشهرة بين يديه، فيزور كل دول العالم، يغني للعرب أينما كانوا، ويحصد الجوائز العالمية العديدة.
يقول ونحن نكاد ننهي جلستنا: «أنا ما أزال أدرس وأتعلّم، فالفن بحاجة إلى متابعة ودأب». ثم أسأله عن آلة العود، فيقول: «إنها الآلة التي أحبّ، وهي التي عليها تدرّبت، إنها الآلة العربية الأصيلة، وقد تطوّرت ومرّت بمراحل عديدة، إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن... وأنتم تعرفون قصصها وزرياب وهارون الرشيد، إنها أقرب ما تكون إلى العازف وهو يحضنها لتعرف أية عاطفة تتدفق من بين أصابعه».
ونمضي كل في طريق... ثم يتردّد في ذهني كلمات الموّال بصوت صباح فخري، وأنا أغادر دمشق إلى حلب:
«درب حلب ومشيتو
كلّو شجر زيتون».
رحلة الانطلاق
زار سامي الشّوا مدينة حلب عام 1947، وفي إحدى جلسات الطرب أنصت إلى صوت صباح فخري، فأعجب به، وقرر أن يأخذه معه إلى مصر، ثم ينتقل معه بين المدن السورية، وقد كانت ترافقه والدته، يحيي الحفلات ويأسر الناس بصوته.
فرصة العمر
الفرصة التاريخية التي غيرت مجرى حياة صباح فخري هي حضور رئيس الجمهورية، شكري القوتلي الى حلب حيث أقيم له احتفال كبير، وغنّى صباح بين يديه... ثم ألغيت فكرة الذهاب إلى مصر، وصار صباح فخري، بحسب الاسم الجديد طالباً نظامياً في المعهد الموسيقي وتتلمذ على يد أعرق الموسيقيين في عصره، وأصبح من موظفي الإذاعة.
فيصل خرتش

