يستنطق شكسبير شخصية الليدي ماكبث في ديالوغ درامي مرواغ في مسرحيته «ماكبث» بهذه الكلمات: لا لن ترى شمس ذلك الغد وجهك يا أميري، كتاب للناس لن يقرأوا فيه أمورا غريبة، لكيما تخادع الزمان اجعل محياك في شبه الزمان، اجعل الترحيب في عينك، في يدك، في لسانك.. تشبه بالزهرة البريئة، ولكن كن الأفعى التي تحتها صاحبنا القادم.. يجب ان يهيأ له وعليك ان تضع أمر هذه الليلة العظيم في إمرتي، وهو طوال ليالينا وأيامنا الآتية سيجعل لنا مطلق الحكم والسؤدد والسيادة..
هذا الحوار الذي يأخذ من الشعر حساسيته ومن الفراسة نبوءتها ومن الدراما عصبها القائم على المرافقات والتناقضات.. سيكون على ممثلة ان تؤديه لا قراءة ولا إلقاء، وانما عليها ان تعايشه وان تتمثله لكي يصل حيا من روح ودم.. وحتى تقترب هذه الممثلة من عمق الخيال الإبداعي الذي قذف به شكسبير كمؤلف هذه الشخصية الدرامية سيكون عليها ان تتدرب كثيرا وان تتحول الى محللة نفسية تعمل على تشريح شخصية الليدي ماكبث وتستدعي حكايتها وسيرتها واعتمالاتها النفسية الداخلية.
ندخل نحن الجمهور الى قاعة المتفرجين في المسرح على انغام موسيقى استقبال هادئة، يرحب بنا المنظمون ويجلسونا في مقاعدنا، نقابل الستارة الحمراء لهذا الصندوق السحري المسمى خشبة المسرح.. قد ننتظر بملل ارتفاعها أو انفراجها عن قصة وشخوص المسرحية التي جئنا لمشاهدتها.. ويحدث هذا وتبدأ الرواية المسرحية..تظهر الشخوص وتبدأ الأحداث والمناظر في تأسيس ذاكرة التلقي في تلك اللحظة..
يتقمص الممثل دوره ويبحر فيه، يضحكنا ممثل وآخر يبكينا.. ننحاز مع هذا ونتضاد مع الآخر.. نقع في فك الصراع حينما تأخذنا اللعبة إلى أسرارها الصعبة، نؤسس نحن المتلقين حكايتنا المضادة على هامش حكاية المسرحية، ثم نصفق ونثرثر قليلاً في الدهاليز ونمضي إلى بيوتنا.. وكذلك يفعل الممثلون الذين يعودون إلى حياتهم وشخصياتهم الطبيعية.
كيف يؤسس الممثلون حكايتهم ويتقمصون أدوارهم ويتجرأون على استدعاء خيال كاتب، قرر في يوم ما كتابة مسرحية، هناك وحيدا من دون صحبة الممثلين، الذين لم يقابلهم في حياته قط، ثم ينفصلون بعدها الى اهتماماتهم الخاصة؟ يلقون بنص هذا المؤلف على قارعة الطريق ويمضون الى مرحهم وحزنهم الخاص، ليعودوا في اليوم التالي ليعيشوا مصائب ذلك النص من جديد؟.. هذا الخروج والدخول ليس الى عوالم الشخصية فقط ولكن الى عوالم النص الى فلسفاته وجدلياته، الى أرائه وإيديولوجيته؟؟ كيف هو هذا الاكتشاف؟ وأي تعب فيه؟.
المخرج العراقي جواد الأسدي كان قد قدم كتابا لمكتبة المسرح العربي بعنوان «جماليات البروفة» يبوح فيه ببعض أسراره كمخرج ومدرب أداء وتمثيل وصاحب ورش مسرحية مهمة اكتسبت صيتها في الأوساط المسرحية العربية.. يعترف الأسدي في ذلك الكتاب بأسرار بروفاته وتدريباته مع ممثليه في عدد من أعماله المسرحية، في الأساليب التي جعلته يتآمر معهم على المتلقين، في ساعات البروفة والتمارين المضنية، في حالة النبش داخل أرواح وأجساد الممثلين.
يقول الأسدي في ذلك البوح: لست أود بأي حال من الأحوال دفع التمثيل نحو ثبات الرؤيا بقدر ما أحاول دائماً خلخلة كيان الممثل، لا امنحه مرآة واضحة تبين صورته او احتمالات صورته، انني ممن يبثون في عقل الممثل ووجدانه وجسده أرسالات ومناخات وإشارات غير نهائية، ليست قصدية، لا ماضي لها ولا حاضر، بتعبير آخر أحث التمثيل على التغذي من المعنى الراهن، المعنى الآني، المجبول بذاكرة جهنمية، الن يغرف من الأرصفة والشارع والبيت وتفتح ذاكرته على أقصى ذروات الخراب.
يتآمر المخرج على ممثليه ويتآمر الممثلون هم الآخرون على المخرج حينما يقررون إثبات انهم أكثر ذكاء وحساسية منه.. تحدث في بروفة التدريب علاقات من نوع خاص، حيث تعيد المسرحية المزمع عرضها والمقرر التدريب عليها توزيع الأدوار بمواصفاتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.. فهناك من سيلعب دور الشر .
ومن سيلعب دور الخير وسيفرز اللقاء عن معارك طاحنة ومشحونة بالمشاعر المتضادة، سيكره الممثلان احدهما الآخر وبشراسة، وسيصل الانفعال الى ذروته القصوى، وحينما تعلن الموسيقى نهاية المسرحية سيتعانق الممثلان أمام الجمهور او خلف الكواليس فرحا بانتصارهما ونجاح المؤامرة، خلال الفرجة، والوهم الكبير في اللعبة..
هي حالة المسرح، والتعاطي مع فن التشخيص والتقمص والأداء في كل بقاع الأرض، طقس واحد وأسلوب واحد، تختلف فيها فروقات الذائقة وسعة الإدراك والخبرة والحداثة ودرجة الشفافية في تقصي تخوم الجمال الأكثر إغراء.
في الامارات ومنذ نشوء الحركة المسرحية في الأندية الرياضية والاجتماعية وفي معسكرات الكشافة التي كانت عادة ما تشمل برامجها فقرات ترفيهية يتخللها مقاطع تمثيلية، منذ تلك الجذور الأولى والى اليوم، لم تنشأ مؤسسة تدريب خاصة بفنون الأداء المسرحي، لا في الصورة الأكاديمية عبر الجامعات والكليات ولا في الصورة الشعبية العامة، عبر مراكز ومعاهد خاصة، لكن كان للمخرجين العرب الأوائل الذين مروا في الساحة المسرحية المحلية الدور البارز في التدريب.
ومنذ غرس البذور الأولى لأصول التدريب توالت البراعم، ثم عبر السنين تراكمت التجارب، ثم ذهب نفر من الشبان المسرحيين لدراسة المسرح في الخارج من بعثات التعليم العالي وسياسات وزارة التعليم، وبعدها تشكلت مرحلة جديدة قادها أولئك الخريجون من أمثال حسن رجب، جمال مطر، إبراهيم سالم، حبيب غلوم، خالد البناي، عمر غباش ومعهم آخرون أسسوا تجاربهم الإخراجية وقيادة طاقم الممثلين نحو تخوم الفرجة المسرحية وإسرارها من الورش التدريبية... ومن أمثالهم.. ناجي الحاي، احمد الأنصاري، عبدالله صالح ومحمد سعيد وغيرهم.
فقد احتلت بروفة العرض في آليات المسرح المحلي مكان التدريب على فنون الأداء والتثقيف المسرحي الذي يفترض ان تقوم به مراكز متخصصة واثر ذلك في إلقاء العبء الأكبر على المخرجين بمختلف مستوياتهم الفنية، وعند قراءة متأنية لانجازات هؤلاء المخرجين مع ممثليهم عبر المهرجانات نكتشف ان هؤلاء أيضا حققوا تماسات خطيرة في أصول اللعبة الإخراجية وقيادة التدريب المسرحي وجديرة بالالتقاط والاحترام ايضاً..
فالساحة النقدية هنا تظلمهم ظلما كبيرا حينما لا تقرأ ورشهم وتدريباتهم ولا تتفحص الأساليب التي يعتمدونها في صناعة الفرجة، ولا يهتم بحالاتهم مجتمعة ومنفردة بالقراءة النقدية الجادة، والقراءة الفاحصة من قبل النقاد..
في كتاب النقطة الفارغة يقول بيتر بروك.. الممثل نفسه نادرا ما تترك مجهوداته وراءها ندوبا باقية، ان اي ممثل في غرفة الملابس وبعد ان لعب دوراً عظيماً ومرعباً، تجده مسترخياً متوهجاً، كأنما انتقال مشاعر عنيفة خلال إنسان منهمك في نشاط جسدي هي عملية صحيحة، وإنني اعتقد انه من المفيد للإنسان ان يكون قائد اوركسترا او ممثلا تراجيديا .
وهؤلاء كنوع من البشر ويبلغون دائما سنا ناضجة متقدمة، لكنني اعتقد أيضا ان لذلك ثمنه، فالمادة التي تستخدمها كي تخلق هذه الكائنات الوهمية التي تستطيع ان تلتقطها وتخلعها عنك كما تخلع القفاز انما هي لحمك ودمك، ان الممثل يعطي من نفسه طوال الوقت، وتطوره المحتمل هو فهمه المحتمل انه يستغل هذه المادة كي ينسج شخصيات وتستقطب ما تنتهي اليه المسرحية.
ندخل المسرح.. ننتظر المسرحية والمؤدين فيها .. ينتهي العرض نصافح المؤدين على مجهوداتهم ثم نمضي ويمضي الممثلون المؤدون الى بيوتهم ولا يبقى في المكان الا خيال تلك الشخصيات التي وردت في حكاية العرض.. شخصيات انبتتها التدريبات.. «البروفة».
مختبر البروفة
اليوم حينما يواجه ممثل في عصرنا الحالي نصاً لشكسبير سيحتاج إلى طاقة خلاقة وسحرية.. هي رحلة بحث.. وتدريب على مدى الأيام المتواصلة التي تسبق أي عرض مسرحي هو ذلك المذاق الذي يختلج في صدور الممثلين. إنه الاختلاج الذي يشبه «مطبخ البروفة»، أو المختبر الخاص الذي يحضر فيه المخرج مع ممثليه وجبة دسمة من الفرجة وبشخوص يتم استنطاقها بأجسادهم ومشاعرهم .
البروفة أجمل من العرض
ينضم في الموسم الواحد عشرات الممثلين إلى «بروفات» على عروض مسرحية، يمضون الأسابيع وأحياناً كثيرة الشهور وهم يتدربون في القاعات المغلقة.. الداخل إلى هذه الأماكن ولو بالصدفة سيمكنه ان يتحسس فوراً ذلك الطقس السحري الذي يغرق فيه المكان..
حينما يبدأ المخرج في إعطاء تعليماته ويصطف الممثلون كالدمى يحركهم الخيال وتعصف بهم أمواج أنفاسهم وهم يشقون طريقهم نحو الاشتباك بشخصياتهم الجديدة.. البروفة أجمل من العرض.. مقولة يؤمن بها المسرحيون.. لأنها الفضاء الأكثر حرية لأنها بلا متلق بلا رقيب.. فضاء شاسع للتجريب.
مرعي الحليان



