«شمس الأصيل» رواية تدور أحداثها في مدينة حلب، فيصوّرها كمدينة مثقلة بإرثها التاريخي والعمراني، ولم تتمكّن من تجاوز العقلية الأبوية المسيطرة على أنماط السلوك فيها، وعلى ثقافتها بشكل عام، نظراً لأنها كانت ومازالت مركز استقطاب للمهاجرين من الأرياف والمناطق إليها، ليتموضع هؤلاء على أطرافها فارضين أعرافهم وتقاليدهم، في الوقت الذي لم تتمكّن طبقتها التجارية والصناعية من الانفتاح على العالم بُعيد المتغيرات السياسية التي عصفت بسوريا منذ الستينيات، مما أدى إلى حالة من الركود الحضاري قل ما عرفتها المدن الأخرى.
يسعى الروائي فيصل خرتش في «شمس الأصيل» إلى تبصير قارئه بجملة من حيوات شخوصه الذين بلغوا نحو ثلاث عشرة شخصية، تموضع كلّ منها في فصل خاص، وتشابك مع الآخرين من خلال أحداث الرواية المتصاعدة، مما يذكّر برواية «ميرامار» لنجيب محفوظ التي كتبها في أجواء الستينيات، فقدّم مجموعة من الشخصيات تتناوب على سرد الحكاية بضمير المتكلّم، لنرى من خلالها أثر التحوّلات الاجتماعية والثقافية بعد التأميم والقرارات الاشتراكية، ولتبدو زهرة الفقيرة الهاربة من زواج قسري رمزاً لمصر المشتتة مابين الماضي والراهن، وما بين فعّاليتها الوطنية.
وعلى المنوال ذاته تتجه البنية الروائية في «شمس الأصيل»، ولكن الروائيّ لن يسمح لشخصياته بالتعبير عن ذواتها بضمير المتكلّم كما فعل محفوظ، وإنما سيؤثر إسناد الحكاية إلى سارد عليم يعبّر عن أفكاره، ويمتثل لوجهات نظره في ما يخص إسقاطاته السياسية والدلالات الاجتماعية والثقافية المراد إيصالها إلى قارئه، وكان من نتائجه غلبة العنصر الإخباري السردي على الحواري.
وتراكم الوجدانيات الشاعرية كحيّز منحه السارد لنفسه، ليمعن في الاتّكاء عليه وخصوصاً في الكشف عن دواخل الشخصيات: عن الرغبة الجسدية، الحرمان والتوق للمرأة أو السعي لإيجاد موطئ قدم لها في الحياة، سواء من خلال العمل، أو من خلال انخراط الجيل الشاب في الحياة السياسية وانتسابه للأحزاب، ومن ثمّ انكسار هذا الجيل الذي مثله كلّ من «زهر الدين الضعيف» وأخته «غادة».
اللذين سعيا جادين بكل نبل لتمثّل الأفكار الاشتراكية وقيم التمرّد والسعي للانعتاق من دائرة القيم والتقاليد البالية، إلاّ أنهما سيكونان بمثابة الأضحية النموذجية للذكورة الجديدة في شكلها الإيديولوجي، والمتمثلة في شخصية الرفيق علاء.
وإذا كان فضاء الذكورة في شكليه التقليدي والحديث، هو المهيمن على سلوك الشخصيات، إلاّ أن ما يسجّل للروائي، هو خروجه عما هو مألوف وقار في الذاكرة الجمعية من سعي الرجال إلى النساء، ليدفع بشخصياته النسائية من الجيل القديم لتمثّل هذا الدور وخروجهنّ من المنزل بحثاً عن حياة جنسية صاخبة بالسرّ وبعيداً عن أزواجهنّ، كما في حال «شكرية» و«شهيرة»، وبالتالي فإن الدور الذكوري في البحث عن الأنثى، ينحسر نحو فعل التلصص واستراق النظر والشهوة الجامحة، بينما نجد الأنثى هي صاحبة فعل الخروج باتجاهه.
ومن بين هذه الشخصيات قد يتوقّف القارئ عند شخصية أوديت اليهودية والتي تحوّلت فيما بعد إلى الإسلام وبات اسمها «شهيرة»، وعن معنى وجودها في النصّ الروائيّ طالما أنها لم تأخذ بعداً رمزياً يرافق التحوّلات السياسية في البلاد، ولم تعش في ذلك الحيّ كيهودية معروفة، وإنما كامرأة فاتنة تدير رؤوس الرجال، بما في ذلك الرجل صاحب الرقى الذي عالج دنسها بالماء والدعاء، و«السفراني» صاحب البيت الذي استأجرته وزوجها، وابن السفراني بركات، وغيرهم ممن تعرّفوا إليها.
الشخصيات الذكورية بدورها خضعت لهيمنة السارد ومزاجياته في التلاعب بمصائرها كحلول تقنية لبعض المشكلات الفنية التي واجهته، حيث إن شخصية أسطورية مثل «البرقاوي» تنتهي نهاية تراجيدية مصطنعة كي يخلو الجوّ لزوجته شهيرة ومغامراتها الجسدية، علماً أننا لم نسمّه شخصية «أسطورية» عبثاً، فهو أشبه بأنكيدو الذي جاء من زمن آخر عاش فيه مع الوحوش والحيوانات في الفلاة، كما أنه يتقاطع مع شخصية زكريا المرسنلي في رواية حنا مينة «الياطر».
وهو إلى ذلك رجل الصدفة بكل ما تعنيه كلمة «صدفة»: ولادته من امرأة أرمينية مهجّرة، تربيته لدى البدو، ثمّ وصوله إلى المدينة ومغامراته صوب معسكرات الاحتلال. وبالرغم من هذه المصادفات العديدة نجده تأقلم بسرعة مع حياة المدينة، وكسب ودّ جيرانه، فكان من المفترض أن يكون دوره في الأحداث المقبلة مناسباً لاستهلال السارد، بل ويأخذ حيّزاً أكبر مما أتيح له.
وفي مقابل هذه الشخصية الذكورية، تنطلق «صبرية» كحصان جامح تكاد تخنقها العادات والتقاليد، وكممثلة لبنات جنسها نجدها سابقة لعصرها في سلوكها وأفكارها، فهي ليست امرأة جميلة فحسب، وإنما فنانة رقيقة تسعى لإسعاد العالم بفنّها، وبالتالي فإن حضورها سيفرض شكلاً من التوق إلى تلك الحرية المفتقدة، سيما وأنها كانت تواظب حضور السينما وتتابع الموضة من خلال ثياب الفنانين والفنانات.
بالإضافة إلى إعجابها الكبير بأم كلثوم ومتابعة أغنياتها في سهرات الخميس، إلاّ أن كلّ ذلك لن ينفع مع ولديها «زهر الدين» و«غادة» اللذين اعتنقا الأفكار الثورية، فقتلاها مجازياً كما قتل أبناء تيامى أمهم وأبيهم، فتذهب إلى الموت انسحاباً من هذه الحياة الجديدة التي استعصت على فهمها، بينما يموت زوجها بموت الحركة التجارية التي خنقتها التعاليم الاشتراكية والشركاء المتنفذون.
إن موت «صبرية» على هذا النحو لا ينسجم إطلاقاً مع سلوكها الوجودي الملتمس في تقديم الروائي لها، هذا بالإضافة إلى حضورها القوي والفاعل في كثير من التفاصيل كشخصية روائية تحبّ الحياة وتسعى إلى تجاوز المألوف، وبالتالي فإن إقصاءها عن الفعل الروائيّ في أهم لحظة مفصلية من حياتها وحياة أسرتها ومجتمعها.
قد يعيدنا إلى الشرط الذكوري وإجبارها على العودة إلى دائرة القيم من جديد، والدليل على ذلك انتكاسة «محمد الضعيف» النفسية ووصوله إلى قناعة مفادها، بأن سبب المصائب التي تراكمت هو «عود» صبرية وغناؤها، وليس المتغيرات السياسية والمجتمعية، فكان لابدّ من ثمّ رضوخها لاشتراطاته هذه، بما في ذلك حبسها وبناتها في بيتها، لينتهي دورها كفاعلة في الحدث قبل أن تموت.
وبالمقارنة بينها وبين الشخصية النسائية الأخرى «شكرية» التي أنسنت البرقاوي وأقحمته غمار الحياة على نحو رائع، إلاّ أنها ستبقى متمردة على الاشتراطات المجتمعية في ما يخص مؤسسة الأسرة، وبالتالي فإنها سوف تعيش حياتها كما تهوى وترغب.
أما الشخصية الإشكالية الأخرى، فهي شخصية «جميل المرزوقي»، فهو بحسب السارد شخصية واقعية خدم في جيش الإنقاذ، ولكنه إلى ذلك جاء من الأسطورة، فهو من جند الملك سليمان الذين تاهوا في الزمن، وما عادوا يعرفون العودة إليه لسبب ما، فتحط به الرحال في حلب بحثاً عن «طاسة» الجان.
التي سوف تعيده إلى هناك، وما بين تواجده في المدينة وعثوره على تلك «الطاسة» سيطلعنا السارد على أفعاله العجيبة وخوارقه، وبالتالي فإن دوره سيتلخّص في حلّ مشكلات الناس عن طريق السحر فبات مقصد النساء، اللاتي كنّ يمتثلن لرغباته وأوامره، إلاّ أن السؤال الذي يأتي لدى تحليل شخصيته الغامضة، هو أين دوره ودور خوارقه لدى انضمامه لجيش الإنقاذ الخائب؟
في بنائية الرواية يعتمد فيصل خرتش الحكاية الإطارية الكبرى، وما يتفرّع عنها من حكايات واستطرادات، إلاّ أن كثرة الشخوص دفعت به إلى تهميش بعضها والتركيز على بعضها الآخر، الأمر الذي يدفع للتساؤل عن جدوى حضورها الروائي ومثالها شخصية «الأستاذ شريف».
كما أن زحمة الأحداث دفعت به إلى تقنية الحذف كي يمتّع قارئه بتلك التفاصيل المهمّة لدواخل ومشاعر شخوصه، والتركيز على مشاهد مأفلمة للقاءات العشّاق حتّى أن القارئ ليحار في تقييم كلّ هذه العوالم التي رصدها المؤلّف لتلك البقعة الافتراضية ولعادات سكّانها وأفراحهم وأتراحهم، فهي تارة تحلّق في الأعالي متعة وإدهاشاً، وتارة أخرى تذهب نحو تفسيرات وشروح لا معنى لها روائياً، إلاّ أن نسبة الإمتاع والإدهاش كانت هي الأعلى ولصالح العمل بطبيعة الحال.
المؤلف في سطور
فيصل خرتش قاص وروائي سوري من جيل الثمانينات، صدرت له حتى الآن ثماني روايات وثلاث مجموعات قصصية، بالإضافة إلى مجموعة أعمال في الدراما التلفزيونية، وقد فازت روايته «تراب الغرباء» عن عبد الرحمن الكواكبي بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية، وحوّلت إلى فيلم سينمائي.
يهتم أدب فيصل خرتش بحلب: تاريخها وفئاتها الشعبية والوسطى، وبالجوانب السياسية والوطنية. حيث يلتمس القارئ مواقفه تجاه القضايا الكبرى كخلفية لتفاصيل الحياة اليومية التي يعيشها شخوصه، وما ينجم عن ذلك من صراعات سياسية اتّسم بها المشهد السياسي السوري منذ خمسينيات القرن الماضي، حيث ولد الكاتب.
عزت عمر

