ربما كان حب الدكتور الناقد حاتم الصكر للشعر من الأسباب التي جعلته يعمل في مجال النقد، وهو بذلك لم يضع مسافة كبيرة بينه وبين الشعر. تناول في كتاباته النقدية أسماء مهمة في الساحة الإبداعية العربية مثل الشاعر الراحلة نازك الملائكة، والشاعر أدونيس وغيرهما ممن أثروا الساحة الإبداعية العربية.

كتب في النقد التشكيلي من منطلق الاهتمام بهذا الجانب الإبداعي، وقناعاته بالتجاور بين الفنون، وكتب للأطفال في محاولة لإثراء هذا الجانب المهمل في أدبنا العربي. والدكتور حاتم صكر أصدر مجموعة من المؤلفات النقدية، والمجموعات الشعرية، وساهم في تحرير عدة مواد في موسوعة الأعلام العرب وغيرها من الاصدارات إلى جانب التحكيم في أكثر من جائزة عربية، ومن هذا المنطلق جاء الحوار معه ثريا، لما تملكه شخصيته من جوانب متعددة والبداية من اشتغاله على النقد الأدبي ... وفيما يلي نص الحوار:

دخول عالم النقد قد يأتي بقرار بعكس الحالات الإبداعية الأخرى، ما الأسباب التي دفعتك للخوض في عالم النقد؟ لا أوافقك كثيرا قي أن الكتابة النقدية تأتي بقرار. ربما كان ذلك صحيحاً في حالات النقد التقليدي المدرسي خاصة، وفي النقد الصحافي حيث يصبح (مهمة) أو اشتغالات يومية، ولكن الكتابة النقدية الحديثة تنطلق من قناعات وتصورات تشغّلها في الأساس موهبة، وقدرات أدبية على استيعاب النصوص ورصد شعريتها أو تقاليدها وأعرافها الفنية، وفي النقد الشعري بالذات ثمة جانب جمالي وتذوقي.

فضلا عن الجانب الأخلاقي، أعني المتطلبات الذاتية التي يجب أن تتوفر في شخصية الكاتب. واسمحي لي أن أصارحك بأنني لا أرتاح لصفة ( الناقد) ولا وصف عملي ب( النقد) لما يضمان من حمولة تدل على الحكم والتقويم والتعالي على النصوص. وأفضّل على ذلك وصفي ب(الكاتب) وعملي سيكون بالتالي( كتابة) على النصوص وتوسيعا لدلالاتها وكشفا لمستوياتها.

تناولت في نقدك أسماء محددة في عالم الإبداع العربي المعاصر لماذا؟

اختياري في الكتابة يتجه أولا صوب النصوص لا الأسماء، وكي لا تبدو المسألة بيزنطية، أعترف بأن تراكم النصوص يشكّل أفق توقع لما يدل عليه اسم صاحب النص أو يوحي به، فالاسم في سياق الكتابة يتكون من نصوص وإبداعات ورؤية، وهذا هو الوجود الأدبي للاسم أو كينونته الورقية.

بعودتك إلى الأدب العربي القديم كتبت عن المتنبي، لماذا المتنبي دون غيره من الشعراء؟

المتنبي في منظوري (وأغلب الدارسين وقراء الشعر) استثناء لا يتكرر في تاريخ الشعرية العربية، بل أرى أن عبقرية اللغة العربية وجمالياتها الخاصة تتجلى عبر شعره، إضافة إلى الفكر الذي نأى بالمتنبي عن الهيجانات العاطفية والصورية، رغم ما يبدو ظاهريا أنه (مزاج) حاد أو تقلب في المواقف والمشاعر.

من النقد الأدبي إلى التشكيلي

لماذا انتقلت من النقد الأدبي إلى النقد التشكيلي وما أوجه التشابه بين نقد الكلمة ونقد الصورة؟

هو ليس انتقالا بل اهتمام بالفن التشكيلي إلى جانب عكوف تام على الشعر وتنويعاته، ومن اعتقاد بالتجاور بين الفنون واقتراضها من بعضها في صورها، وهيئاتها الخطّيّة ودور المخيلة وحتى وجود السرد فيها. أما إذا شئت السؤال عن نشأة اهتمامي بالفن التشكيلي فكثير منها يرجع لطبيعة الثقافة العراقية التي كانت سائدة لدى جيل الستينات الذي أنتمي له، حيث التعدد في مصادر الثقافة والاهتمامات. وجماليا كنت أهتم بالتعالق بين البصري والمكتوب وأدعو في كتاباتي لتعميق ثقافة القارئ بالثقافة البصرية والصورة وبالتداخل بين الفنون.

الطابع الأدبي للنقد

يرى البعض أن النقد حالة إبداعية قائمة بذاتها، أو كتابة جديدة للنص ما رأيك؟

النقد الأدبي له جوانب متعددة، نظرية وتطبيقية، وفيه بسبب حيويته جانب مقارن وله آليات وإجراءات يتم تحديثها أسوة بالفنون الأدبية الأخرى ولهذا فهو رغم أدبيته أي بالاحتكام لموضوعاته وأسلوب عرضه، يأخذ سمتا علميا من البحث والتعليل والتأويل والاستناد إلى المعرفة دون الإغراق في التشريح أو العلمنة الجافة للإجراءات النقدية كالمبالغة في المنهج الإحصائي الذي جاء كأحد تيارات الأسلوبية. وازدحمت الأبحاث النقدية بسبب الحماسة له بالجداول والأرقام التي قد لا تنتج دلالات على الطبيعة الأسلوبية قدر كشفها عن مستويات التردد والتكرار وما إلى ذلك.

كيف تحدد قواعدك عند ممارستك لعملية النقد؟

أنا أؤكد على(الرؤية) في عملية النقد والمشتغلين فيه قبل المنهج النقدي الذي يعتنقه الناقد ويصبح كعينة أو صنف دمه!!، المهم عندي الاصطفاف العريض مع الأفكار والتصورات، كالحداثة والتراث والمرأة والهوامش المقصاة والالتزام الإنساني والثقافة والعلم وغيرها. ثم يأتي المنهج ليعبر عن تلك الرؤى والمواقف، على هذه الأسس تتم علاقتي بالكتابة النقدية.

النقد المهاجر

من وحي تجربتك هل الناقد المهاجر يمتلك هواجس المبدع المهاجر وإلى أي مدى يؤثر هذا على تجربته؟

جزء من الإجابة تضمنته إجاباتي السابقة حول صلة النقد بالإبداع والخدمة التي يقدمها النقد للنصوص ولقراءتها. لكن الحديث عن (نقد مهاجر) ونقاد(مهاجرين) يطول حقا إذا تأملنا الهجرة والمهجرية الجديدة خاصة، أدبية أو نقدية.

ما يكتبه أدباء المهجر، حتى في الموجات الأولى أي جيل الريحاني وجبران ونعيمة وزملائهم - ليس بعيدا عن المناخ الثقافي للحاضنة التي خرجوا منها لأنهم تكونوا ونشأوا وتثقفوا في بلدانهم الأصلية، ومن جهة أخرى، فما يكتبونه لا يمثل أدبا مندمجا كليا في السياق الثقافي الجديد الذي فرضه حضورهم الجسدي في عالم آخر حتى لو برعوا في اللغة الأجنبية وصاروا من كتّابها - في حالة جبران خاصة، فقد ظلت صلتهم بالأدب العربي قوية ومؤثرة. ولا يُنكر تركهم بصمات مميزة لكنها خفيفة الوقع.

في حالة المهجر الجديد لم يحصل التثاقف بشكل تام وصحيح، لأن العولمة جعلت أدباء المهجر أو المنفى يعيشون دقائق بلدانهم وتحولاتها ومشكلاتها، كما تنتقل إليهم سريعا، وظلوا يرتبطون بلغتهم وأدب بلدانهم بل يخوضون في صراعاتها ويؤجج بعضهم المشكلات والخصومات وكأنه لم يغادر مقهى حسن عجمي أو طاولات اتحاد الأدباء، وبعضهم تظهر بداوته وعدم تكيفه مع المكان الجديد في لغته وخطابه لاسيما في الحِجاج والجدل، إذ يعود متطرفا منفعلا لا يترفع عن استخدام ما لا صلة له باللياقة والتحضر، لقد عاش بعضهم هناك بجسده لا بعقله كما يبدو.

اخترت عضواً في أكثر من لجنة تحكيم ما رأيك بمنطقية الجوائز التي تمنح للمبدعين، خاصة وأن البعض يشكك في مصداقيتها؟

الجوائز حتى الكبرى منها مثل نوبل تجد من يسفّهها أو يطعن في مصداقيتها أو رجاحتها وعدالتها. الدوافع مختلفة ومتنوعة ولكن دعينا نستبعد ما يصدر منها عن عُقد أو لا موضوعية معروفة الدوافع، ولنتأمل كمية المجاملة والحسابات في الجوائز العربية الكبرى، فأنا أولا أراها ظاهرة صحية وحضارية، وتدل على تقدير المجتمع ومؤسساته لجهد الأدبي وتثمينه، لكن ذلك لا يبرؤها مما يحف اجتماعيا بالسياق الثقافي العربي كله من شلليات وهيمنات ومجاملات وحسابات، يرتكبها المحكمون غالبا لا الهيئات التي تعد الجوائز وتشرف عليها.

وفي التجارب التي عملت فيها محكّما وجدت الاستقتال على الفوز والمنافحة أحيانا دون تعصب فني مثلا، أو انحياز فكري بل لأسماء تمثل للمحكّم معنى ما أو نفوذاً، ينتصر له ويصرّ عليه. باختصار، فإن الجوائز العربية تذهب أحيانا لغير مستحقيها، وأنا لا أرى ذلك غريبا في حالة أمة تتداعى وتفقد حقوقها، وتُشيع فيها قِيَم التخلف والتحجّر والأنانية مما يُعدي حتى بعض مثقفيها.

بين المجهول والمعلوم

لماذا الناقد يتناول الأسماء الإبداعية المشهورة؟ ألا يوجد برأيك الكثير من الأسماء الإبداعية التي تستحق أن ترى تجربتها الوجود ورغم هذا ظلمت لأكثر من سبب؟

كما قلت لك في إجابة سابقة، الاسم لا يتكون من فراغ في الكون الأدبي بل بالكد وتراكم الإبداع والتفاعل والحضور، لننس الأسماء التي تعليها الأنظمة أو الظروف أو العوامل اللاأدبية، فهي ظواهر سرابية تتبخر ولا يظل منها شيء، حتى أصحابها يدركون ذلك ويتصرفون بحدوده.

في النقد الحديث لم تعد الأسماء تعني خارج سياقها شيئا بل بما تضيف للظواهر والأساليب والموضوعات وما تحققه لأدب بلدها ووطنها. لذا لا أعد خطأً أو خللا في الكتابة عن السياب والبياتي ونازك أو أدونيس ودرويش ونجيب محفوظ والطيب صالح وغسان كنفاني والماغوط، والكتابة عنهم لا تعني نبذ تجارب أحدث منهم في الشعر والسرد.

تكتب الشعر أحيانا ما الهاجس الذي يحركك لنظم الشعر؟

وصفت علاقتي بالشعر ككتابة بأنها عشقية لا زوجية أي أنها غير رسمية ولا روتينية وليس فيها التزامات مستقرة، أعود إليه ويعود إلي دون رسوم وتقاليد ثابتة. أنا لم أاكف عن قراءته ودراسته وتدريس، ولعل هذا جعلني قريبا منه أمد يدي كلما احتجت إليه فينجدني ويسعفني وأتنفس من خلاله كلما شعرت بالاختناق.

تطابق مع الأفعال

كتب الشاعر اليمني د.عبدالعزيز المقالح عن علاقته بحاتم الصكر فقال: إنها تعود إلى أكثر من عشرين عاما، واعترف أن الصورة المضيئة التي رسمها اللقاء الأول لم تتغير ولم تزدها الأيام والأعوام المتلاحقة إلا مزيدا من الصفاء والإشراق وأنه من بين عدد قليل من الأصدقاء الزملاء الذين تتطابق أفعالهم مع أقوالهم وأقوالهم مع أفعالهم ومن الذين يمحضونك الود بلا مقابل .

ويحرصون على الوفاء لأصدقائهم حتى لو كلفهم ذلك الوفاء الكثير من المضايقات والإيذاء. وأضاف المقالح عندما هجر حاتم الصكر الشعر إلى الكتابة النقدية، لم يكن بذلك الاختيار القاسي يعبر عن مشقة الغوص في بحر هذا الفن الجميل والقاسي بل كان يأخذ إجازة طويلة ليرى أمواجه عن بعد ويكتشف بعمق استخلاصاته صورة هذا البحر في حالتي التألق والانطفاء إذ كانت العلاقة معه قد وصلت إلى درجة من التداخل والتوازي.

السفينة بلا أصدقاء

شعر: حاتم الصكر

في عرض بحر بلا سواحل

والسفينة تنوء بما تركته على الشاطئ

من أحزان المارة

وتلويحات المودعين

ودموع الراحلين إلى نقطة غامضة في أفق مفتوح

.. كان على اثنين منا أن ينزلا

لكي تستمر السفينة

في اتجاهها- يقول القبطان

كنا في اللجّة غرقى

أيدينا بين الموجة والموجة

تطفو على السطح

مستنجدةً

والقبطان يرد علينا

بوداعٍ لا طعم له

ويصرّ على أسنان الرغبة

ويقلقنا..

كي نمضي

وتصل سفينتنا إلى برّ ما

مثقلة بأحزاننا.. ودموع المودعين

ولكن.. فارغةً بلا أصدقاء!

الكتابة للأطفال

الكتابة للأطفال نادرة وقليلة، ومتدنية نوعيا ـ قياسا إلى عدد الأطفال وتطور وسائل الاتصال وطرق التعليم، وهذا ينطبق على ثقافة الطفل عموما (سينما الطفل- مسرح الطفل ـ رسوم الطفل..) ولننظر في ما تخصصه الدول والمؤسسات لهذا الأدب المهم والحيوي، وما ترصده من طاقات ومال وفرص دراسة وتعليم ونشر، فسنرى بؤس وضع أدب الطفل، وحتى في منظور القراءة لا يزال كثيرون يعدون كتاب الطفل حاجة كمالية زائدة دون أن ننسى مشروعات رائدة ومستمرة في نشر ثقافة الطفل وأدبه. أدب الأطفال مثال آخر على الإقصاء والتهميش في ثقافتنا العربية الرسمية.

الصكر في سطور

* حاتم الصكر ناقد عراقي من مواليد مدينة بغداد

* متزوج وله ثلاثة أولاد حاصل على دكتوراه آداب بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف الأولى في الأدب العربي الحديث والنقد من جامعة صنعاء كلية الآداب وماجستير في الأدب الحديث والنقد بدرجة امتياز كلية الآداب جامعة بغداد وأستاذ مشارك في جامعة صنعاء التي يعمل فيها أستاذاً مند عام 1995/ 1996م في كليات الآداب واللغات والإعلام ومحاضرا في مادة (المرأة والأدب) في مركز البحوث والدراسات النسوية بالجامعة.

* عضو اتحاد الكتاب العرب واتحاد الأدباء العراقيين ورابطة نقاد الأدب وعضو مؤسس في الهيئة الاستشارية لمشروع (كتاب في جريدة) بإشراف اليونسكو وعضو لجنة تحكيم جائزة العويس الثقافية 2004.

عبير يونس