لسان الإبرة يختزن الطعوم كافة، كما هي العين التي تبصر من قاعدتها المحمولة، كل ما له صلة بالحياة وأفانينها ما إن يلفَظ أحدنا مفردة «الإبرة» حتى يجد نفسه، في ركب قاطرة من التداعيات والتساؤلات المتعلقة بها، وما تكونه سراً وعلانية. الإبرة، منطق الوسيط، هكذا، ربما، يمكن تعريفها وتوصيفها، لتقريبها من الأذهان! الإبرة، لسان الأعمى، هكذا.
ربما، يمكن تقديمها لتكون ماثلة أمامنا، ونحن نقلب في وجوه أدائها، ولعل عبارة (لسان الأعمى)، تتضمن العبارة السالفة تعريفاً وتوصيفاً! الإبرة محصورة بين لسان لاذع، نافذ في أكثر الجسوم رخاوة وطراوة، وعين تتراءى مفقوءة، ولكنها تتكفل بتتبع أثر اللسان، كما لو أن محفّز لسانها في العمل، هو خرمها!.
والإبرة في تصميمها، تتحرك في حقل من المفارقات، إلى درجة استحالة البت النهائي فيها، نظراً للتعارض اللافت فيما بينها، عندما نعلم، مثلاً، أنها تنفذ في جسم يستجيب له، إعداداً لحياة متوخَّاة، كما في حال خياطة ثوب عرس، أو حين تنفذ أحياناً في جسد ناعم آخر، تقدمة لارتحال صوب عالم لا يحاط به،.
هو الموت، أي الكفن، وما يرادفه، فهي حاملة الداء والدواء معاً! إنها تجمع بين خبط عشواء، ودقة في الحياكة، أو الوصل بين الأشياء، ممدودة بين لسان وعين مهيوبين، إلى درجة الخلط بين اللسان الذي يبصر، والعين التي تخيط، فالرأس السفلي والقاعدة العلوية، داخلان في عقد عمل صامت، ومشترك، وكل جهة تقدّر في الأخرى وظيفتها الأدائية!
يمكن القول أيضاً، بأن الإبرة تمارس الدمج بين وظيفتَي الفتق والرتق، تتحرك عبر الفراغات، أو تبحث عنها، إما أنها تحيل الفراغ إلى معنى وقيمة، أو لتترك للعين الممرَّرة للخيط، المهمةَ التالية، وهي التقريب بين فراغ وآخر، في حلقات، أو ضمن سلسلة تستطيل أو تتسع..
في بنيتها، يلتقي الذكر والأنثى، أو توأم الجنسانية، حيث النفاذ فعل ذكر، ولكنه يجد غايته المكتملة في الرتق، أو الوصل، وهو فعل الأنثى، فالإبرة شاهدة على حيوية التكامل مذ تشكلت، كما لو أن كل ما يمكن التفكير فيه، متوزَّع بين لسان ناطق بحكمة علوية، وعين مرئية، تتابع عمل اللسان، ولتكون القدرة المثلى، في تبيان قيمة معينة، كامنة في الجانب الإقدامي للسان، اللسان المعدني الذي يختصر نصف وجوده وربما أكثر، أو كله في أوله، والباقي في آخره.
الصيني ربما كان أقدر من كثيرين خارج محيطه، في تقدير فعالية الإبرة ودلالتها، من خلال الربط العبقري بين الملء والفراغ، كما هو شأن فلسفته، حيث التشديد على الفراغ، قد يتقدم الإلحاح على الملء، فالأول فعل تهوية للعناصر، لاستيعاب نقاط القوة والضعف، ولهذا، كان مفعول الإبر الصينية، فهذه تتركز في جملة النقاط الحساسة والمؤثّرة في الجسد.
إن الأعصاب شبكة خيوط هائلة، بينما اللسان إدراك للقوى العصبية التي تمثّل كلية الجسم. ينفتح مفهوم الإبرة على أكثر من معنى، لكن الرئيس في عملها المتنوع الغايات أو الأبعاد، هو أنها لا تقيم فصلاً بين فعل وآخر، يستوي في منطقها كل من الحياة والموت، كما في التعامل مع نسيج ما، إنها ترتق بقدر ما تفتق، «تنفث» عقاراً محيياً ومميتاً.
كما هو لسانها ومفهوم الخياطة، لكأنَّها تعمل في حيادية تامة، لكأنَّها تحيل الكون بكل مقومات وجوده، إلى حركة فتق ورتق، أو فصل ووصل بين الكائنات والطبيعة، بذات السرعة أو الهمة، حيث لسان الإبرة يختزن الطعوم كافة، كما هي العين التي تبصر من قاعدتها المحمولة، كل ما له صلة بالحياة وأفانينها.
ليت الغالبية منا، تكون في مقام الإبرة ولسانها الأعمى، لاستبصار المزيد مما نجهله حتى الآن، ولعل الذين يمارسون حياتهم بمنطق الإبرة، كثيراً ما يخادعون أنفسهم، حين يرتقون باسمها وصفاتها، إلى مستوى الكائن العاقل، والإبرة تعمل في صمت، ولعلها هنا، تمارس سخرية مما يحدث باسمها، من هذا الفتق الذي لا يمكن رتقه، تناسباً مع ما هو مأثور في معظم حياته!
إبراهيم محمود
