ثمة ظاهرة جديدة، تلفت الانتباه، في الحيوات التشكيليّة العربيّة بعامة، والسورية بخاصة، هي اتساع المسافة وازديادها، بين الصالات الجديدة والقنوات الإعلاميّة، على مختلف أشكالها.

ونحن نضيف هنا إلى هذه الحقيقة حقيقة أخرى هي إهمال هذه الصالات للمثقف العربي (بما في ذلك الفنان التشكيلي نفسه) وعدم رغبتها بالتواصل معه، لصالح متلقٍ جديد، تضعه في دائرة اهتمامها الأول، أوأنها في الأساس، أُنشئت من أجله؟!ما يؤكد زعمنا هذا، جملة من الأمور، أولها وأهمها، قيام بعض هذه الصالات، بتحديد افتتاحين لمعارضها. الأول خاص جداً وسري، تدعو إليه من تريد من عليّة القوم المهتمين بهذا المجال، والثاني شبه عام، لأن حتى الافتتاح الثاني، يبقى محصوراً هو الآخر، بمتلقٍ من نوع خاص، لا يُشكّل الفنان التشكيلي والمثقف عامة، إلا نسبة ضئيلة منه؟!.لا تهتم هذه الصالات بالترويج الإعلامي لمعارضها، وليست حريصة على إقامة ندوات لمناقشة ما تقدم من فن، ولا يعنيها كثيراً الواقع العام لهذا الفن، وإنما اكتفت بأخذ ما يناسبها ويخدم خططها، من رموز الفن التشكيلي العربي المعاصر.

وهو عدد قليل جداً مقارنةً بما تموج به الحياة التشكيلية العربيّة من أسماء وتجارب وأطياف فنيّة مهمة، مع الاستدراك والإشارة، إلى أن التجارب التي انتخبتها هذه الصالات، وكرست تعاملها معها، هي من التجارب المهمة والحاضرة، ليس على الساحة المحلية فحسب، وإنما على الساحة العربيّة والعالمية، وهي متنوعة الأساليب والاتجاهات والتقانات. حركت هذه الصالات ركود الحياة التشكيليّة العربيّة، وفتحتها على آفاق متنوعة ومتلونة الأهداف والغايات، ما زال القسم الأكبر منها مجهولاً وسرياً حتى اليوم، كما أوصلت اللوحة العربيّة المعاصرة إلى أسعار خياليّة، ما كنا نظن أنها ستصلها إلا بعد عقود طويلة من الزمن، وهي لوحة تنتمي لأجيال مختلفة، وأساليب واتجاهات مختلفة أيضاً، ما يؤكد أن هذه الصالات لا تروّج لاتجاهات فنيّة معيّنة كما تفعل الإرساليات الثقافيّة الغربيّة في بلادنا العربيّة، والصالات الخاصة الماشية في ركبها.

سبق للوحة التشكيليّة العربيّة وحققت مثل هذه الأسعار، لكن بشكل محدود جداً، ولفنانين غادرونا في ظروف مأساويّة صعبة، وكانوا في الأساس، مقلين في إنتاجهم الفني، وأبرز هؤلاء الفنان التشكيلي السوري الراحل (لؤي كيالي) الذي صارت لوحته تشتري سيارة أو بيتا!!.في خط موازٍ، شهدت لندن ودبي في الآونة الأخيرة، نشاطاً تسويقياً لافتاً، لعدد من الأعمال الفنيّة العربيّة المعاصرة (ومن بينها السورية) حققت خلاله بعض اللوحات، أرقاماً قياسيّة في المبيعات، لعل أبرزها لوحة الفنان التشكيلي الحروفي السوري الشاب خالد الساعي التي تجاوز سعرها سبعين ألف دولار!!. يلاحظ أن الفنان التشكيلي العربي هو أول من بادر لإقامة صالات عرض للفن التشكيلي في المدن العربية. بعدها زاحمه على هذا الدور، موسرون وتجار وأصحاب مناصب سابقة في الدولة، لأهداف وغايات مختلفة. بعضها ثقافي، وبعضها تجاري، وبعضها ذاتي، وبعضها سياسي، أو اجتماعي، وبعضها الآخر ما زال في عالم الغيب؟!

الحقل الفني التشكيلي العربي، وبغياب الجهات الرسميّة والشعبيّة شبه الكاملة عنه، هو حقل جميل، ضعيف، نظيف، ومغر لأي نوع من الاستثمار، وهذا ما دفع عدداً لا بأس به من التجار لخوض غماره. بعضهم ظل فيه حتى حقق غايته، أغلق بعدها النافذة التي استدرج إليها الفن والفنانين، وبعضهم الآخر، ما زال يدير نافذته، بهذا الشكل أو ذاك!!.

عملية إنعاش هذا الفن، يمكن أن يساهم فيها القطاع الخاص والعام، خاصة وأن هذا الحقل الحضاري البكر والجديد بالنسبة لرؤوس الأموال العربيّة، مغر وجذاب ومدعاة للتفاخر والتباهي، أو إقامة شبكة مهمة من العلاقات الاجتماعيّة، والتواصل المتعدد الأشكال والأهداف، وحتى الاستثمار المالي مضمون الربح.

يمكن للثقافة بشكل عام، والفن التشكيلي منها بشكل خاص، القيام بعملية توازن وترميم، في شخصيات أصحاب رؤوس الأموال الضخمة الذين وصلوا إلى حالة عالية من الإشباع، أو ما يمكن تسميته «البطر»، واستغلال هذه الحاجة لدى هؤلاء، لتمرير ثقافة جادة ونظيفة وتطويرها ونشرها، ليس عيباً أو نقيصة بحق الفنانين التشكيليين إذا ما ظلوا مخلصين لوسيلة إبداعهم، وصادقين مع أنفسهم وناسهم، ومحافظين على خط بحثهم وسويته، والعمل الدائم على تطويره.

لكن الطامة الكبرى إذا كان الذين يقومون باقتناء هذه اللوحات، لا يميزون بين (الفن التشكيلي) و(الفن التشيكي). أو بتعبير أكثر دقة، أميون بصرياً، وأن يكون جل اهتمامهم هو تكريس المزيد من الأموال، مع أن هذه الأخيرة أصبحت لدى بعضهم، تكفي لتغطية حاجاتهم الحياتيّة، وببذخ كبير، حتى لو اجتروا حياتهم عشرات المرات!!.

الشيء المحيّر هو توزع اهتماماتهم فهم مع الفن التجريدي، والتعبيري، والزخرفي، والرمزي، والحروفي، والاستفزازي، ما يؤكد أننا أمام ذائقة فنيّة لا تميّل إلى اتجاه فني محدد، ولا تريد الترويج لثقافة بصريّة عولميّة، كما تفعل الإرسالات الثقافيّة الغربية والسائرون في ركبها من صالات القطاع الخاص، وهذا الأمر يقودنا إلى احتمالين اثنين: فهم إما يهدفون إلى توسيع شبكة علاقاتهم العاطفية والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، أو أنهم يريدون استثمار أموالهم، في حقل الفن التشكيلي الجميل، النظيف، الضعيف، والمثير... والله أعلم.

جملة هذه الهواجس والتساؤلات، تحمل إجاباتها الأيام المقبلة القابضة على حقيقة مظاهر الصبا التي دبت فجأة في عروق اللوحة العربية المعاصرة، إذ سبق للحركة الفنية التشكيليّة العربيّة وعاشت حالات انتعاش مشابهة، لكنها غابت بمجرد وصول البعض إلى أهدافهم التي لم يكن بينها أي هدف ثقافي وطني أو قومي، وإنما انحصرت أهدافهم بشخصياتهم وبماهية النقود التي يتعاملون معها، بدليل غياب عدد كبير من منافذ تقديم الفن للناس، بمجرد استنفاد أهدافها وغاياتها، أو ربما بوصلات البعض منهم، دلتهم على المكان الخاطئ لاستثمار أموالهم فيه.

ولأن رأس المال في الأساس جبان، ويستعجل الربح، سرعان ما غادر هؤلاء المغامرون، حقول الفن، إلى حقول أخرى مجربّة ومضمونة النتائج.

المهام والأدوار

عبر المراحل التاريخيّة المختلفة، كان الفن ومازال ويبدو أنه سيبقى، مشدوداً الممول، وهذا أمر طبيعي يتعلق بخصوصيّة هذه اللغة الإبداعيّة التي تعددت مهامها وأدوارها ووظائفها، من مجتمع إلى آخر، ومن زمن إلى آخر أيضاً.

الاستثمار لصالح الفن

الحراك الذي قدم اللوحة العربيّة المعاصرة إلى واجهة الحدث الثقافي في الدول العربيّة، وبغض النظر عن أهداف صانعيه، يمكن استثماره لصالح الفن والفنانين، إذا ما أدير بذكاء وحنكة وتبصر بعيد المدى، فالفن التشكيلي العربي بحاجة ماسة إلى ممول محلي جديد، بعد تراجع الدولة عن ضخ سيولة مناسبة لتطويره وحفظه وتشجيعه وإنعاشه.

د. محمود شاهين