«العاملون الفقراء في فرنسا» كتاب لدونيس كليرك أثار الكثير من النقاشات والجدل ، ذلك أنه تزامن مع نقاش آخر حول ما سُمي ب«دخل التضامن النشيط» الذي يخص أولا أولئك العاملين الذين يتقاضون أجورا متدنية بحيث يتم تصنيفهم في «خانة الفقراء»، أو يخص أولئك الذين كانوا يتقاضون مرتبا تحت تسمية « الحد الأدنى من الدخل الكافي للاندماج» والذين لا يمارسون أي عمل.
وما يتم تأكيده هو أن دخل التضامن النشيط ، موضوع النقاشات الجارية سوف يؤدي إلى خروج ما يزيد عن ثلاثمائة ألف فرنسي من العاملين من الفقر.
«العاملون الفقراء» الذين يدل عليهم عنوان الكتاب فيتم تعريفهم على أنهم أولئك الذين يعملون لمدة شهر واحد في السنة على الأقل ويعيشون لوحدهم أو مع أسرهم في مستوى دون حافة الفقر. أما العتبة الرسمية للفقر فيتم تحديدها بمبلغ 880 يورو في الشهر للشخص الوحيد و1320 يورو للأسرة المكونة من شخصين و1580 يورو لأسرة مع طفل و1140 يورو لأسرة من أب أو أم مع طفل. وهذه الأسرة تدعى ب«ذات السلطة العائلية الوحيدة».
أما الإحصائيات التي يتم تقديمها فتخص حوالي 2 مليون شخص في فرنسا يتم اعتبار أنهم يعيشون في مستوى دون حافة الفقر رغم أنهم يمارسون عملا. وهذا الرقم مأخوذ من إحصاءات «المفوضية الفرنسية العليا لسبل التضامن الاجتماعي النشيطة لعام 2006». وتدل الإحصاءات أيضا على أن نسبة 55 بالمائة من العاملين الفقراء هم من الرجال و45 بالمائة من النساء.
الفكرة الرئيسية التي يؤكد عليها المؤلف دونيس كليرك هو أن إيجاد فرص العمل لم يعد الدواء الناجع دائما لمكافحة الفقر، وتدل المعطيات التي يقول بها دونيس كليرك أن الفقر في فرنسا قد انحسر خلال سنوات 1990-2004 ولكنه عاد اعتبارا من هذا التاريخ الثاني للتنامي من جديد.
ولكنه بدّل من الهيئة التي يأتي بها ومن الشرائح التي يصيبها. فبعد أن كان الطاعنون في السن أو المعاقين أو غيرهم ممن كانوا مُستبعدين عن سوق العمل هم ضحايا الفقر سابقا أصبح الفقر يخص هذه المرّة أولئك الموجودين في سوق العمل. ويتم التأكيد هنا أنه هناك اليوم من أصل أسرتين فقيرتين من كل ثلاث أسر فقيرة شخصا يشغل عملا، إمّا ل«ساعات قليلة يوميا» وإما عملا ذا مردود مالي ضئيل. وفي الحالتين لا يمكن للمعنيين تأمين مستوى كريم من العيش. أما التناقض الكبير فيتمثل في واقع أنه في الوقت الذي تزداد فيه فرنسا ثراء، يزداد بنفس الوقت عدد الفقراء فيها.
ويعالج دونيس كليرك مسألة الخداع الذي تنطوي عليه العمليات الإحصائية. ذلك أن هذه العمليات تهتم عامة بالعدو الإجمالي للفقراء وبالتالي يمكن بواسطتها، وعبر إبراز التناقض الكبير في العدد الإجمالي للفقراء، تجنّب الخوض في تحديد الفقراء . ويتم التأكيد في هذا السياق أن مصدر دخل التضامن النشيط الذي تقترحه الدولة يمكن أن يحسّن قليلا مستوى معيشة ثلث العاملين الفقراء ولكن مع بقائهم دائما دون مستوى عتبة الفقر. بالمقابل سيبقى 3,1 مليون عامل فقير في فرنسا دون أي تغيير في مستوى معيشتهم. كذلك تبقى النساء هي أول الضحايا بسبب الطبيعة الهشّة للأعمال اللواتي يقمن بها كما هنّ غالبا يتحمّلن عبء الأطفال في حالات الطلاق الشائعة جدا في المجتمع الفرنسي.
من جهة أخرى يرى دونيس كليرك أن اقتراح الدولة بدخل إضافي تحت عنوان دخل التضامن النشيط سوف يدفع العديدين إلى قبول الأعمال التي لا تجذب عادة العاملين لشغلها.
كما أن أرباب العمال سوف يجدون بسهولة أكبر اليد العاملة التي يبحثون عنها بالنسبة للأعمال التي تحظى بمساعدة الدولة.ويقوم المؤلف أيضا بعملية تصنيف عامة لفرص العمل التي يعتبرها ذات طبيعة تساعد على جعل العامل الذي يشغلها فقيرا . ويحدد في رأس قائمتها الأعمال المنزلية وقطاع الفنادق والمطاعم وقطاع التوزيع لدى المخازن الكبرى.
ويؤكد أنه في أغلب الحالات لا يشكل كون المرء نادلا في مقهى أو في مطعم أو محاسبا على أحد صناديق المخازن الكبرى أو عمل المرأة في الخدمة بالمنازل سوى شبه فرصة عمل وبالتالي لا يتوجه الذين يشغلونها نحو مخرج من الفقر وإنما بالأحرى نحو الطريق المسدود .
وفي المحصلة لا يتردد دونيس كليرك في القول أنه من واجب الدولة انتهاج سياسة تحدّ من انتشار الأعمال التي لا تشكل في أفضل الحالات سوى دواء مسكّنا لمرض يهدد المجتمع كله.
الكتاب: عاملون وفقراء في فرنسا
تأليف: دنيس كليرك
الناشر: غراسيه وفاسكيل باريس 2008
الصفحات: 290 صفحة
القطع: المتوسط
La France des travailleurs pauvres
Denis Clerc
Grasset et Vasquelle Paris 2008
P.290
