«فنانون في المنفى» للكاتب جوزيف هوروويتز هو العنوان الرئيسي للكتاب الذي يحمل عنوانا فرعيا يلقي الضوء كثيرا على مضمونه ويقول: كيف بدّل اللاجئون من الحرب والثورات فنون الاستعراض الأميركية تتوزع مواد هذا الكتاب بين خمسة فصول ومقدمة وخاتمة.
وبعد المقدمة المكرّسة للحديث عن مفهوم «التبادل الثقافي» يتعرّض الفصل الأول لمسألة «كيف يصبح المرء أميركيا» ويحمل الفصل الثاني عنوان: «الاستعمار الألماني والموسيقى الكلاسيكية الأميركية» والفصل الثالث: «الهامش الموسيقي الألماني» ثم «نتحدث الألمانية في هوليود» في الفصل الرابع والفصل الخامس والأخير يحمل عنوان «رد فعل متأخر: ستانيسلانسكي والمسرح الكامل وبرودواي». وفي الخاتمة يعود المؤلف من جديد للحديث عن «التبادل الثقافي في القرن الحادي والعشرين».عبر هذه الفصول كلها يشرح المؤلف التأثيرات التي مارسها الفنانون في المنفى على مختلف الميادين الفنية وخاصة الموسيقى والمسرح والسينما.
الفنانون المعنيون كانوا قد هاجروا إجمالا من أوروبا، خاصة من ألمانيا أثناء الحقبة النازية ثم أثناء الحرب العالمية الثانية، ومن روسيا.
وبالتأكيد لم يشمل الشرح الموجود في هذا العمل جميع الفنانين ولكن المؤلف قدّم الدور الذي لعبه الأكثر شهرة و«الأكثر تأثيرا» منهم مثل جورج بالانشاين في مجال رقص الباليه وايغور سترافنسكي في الموسيقى ومارلين ديتريش في التمثيل وجوزيف فون ستيرنبيرغ في الإخراج السينمائي.
ويشير المؤلف إلى أن الآلاف من الفنانين كانوا قد غادروا أوروبا في النصف الأول من القرن الماضي (العشرين) هربا من الأوضاع المضطربة التي سادت في تلك القارة والتي كان تعبيرها الأكثر عنفا هو قيام حربين عالميتين انطلقت شرارتهما الأولى منها، أي الحرب العالمية الأولى 1914-1918 والحرب العالمية الثانية 1939-1945.
وكانت الوجهة الأساسية التي قصدها أولئك الفنانون هي الولايات المتحدة الاميركية «الفتيّة».وكان المهاجرون الأوروبيون، وعلى رأسهم الفنانون والمبدعون في مختلف الميادين، قد ساهموا، إلى هذه الدرجة أو تلك، في «نقاش على المستوى الأميركي كله حول موضوع الهوية الأميركية». وبالاعتماد على مثل هذا الواقع يقول جوزيف هوروويتز مؤلف هذا الكتاب أن «التجربة الأميركية ذاتها هي تجربة تبادل ثقافي». ويشير المؤلف إلى أن تأثير المهاجرين كان سهلا إلى حد ما على صعيد الرقص والسينما ولكن «المسرح الأميركي» لم يقبل بسهولة «التأثيرات الخارجية» بينما كان الباب مفتوحا أمام «الموسيقى الكلاسيكية».
ويُطرح التساؤل عمّا يمكن أن تكون عليه الفنون الاميركية اليوم «دون مساهمة هتلر وستالين». بالطبع ليست مساهمتها المباشرة وإنما غير المباشرة حيث »دفعت دكتاتوريتهما آلاف المبدعين نحو اختيار طريق المنفى«. وهذا ما يؤرخ له بالتحديد مؤلف هذا الكتاب من خلال تجربة أولئك الفنانين الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة خلال القرن العشرين.
إن المؤلف يكرّس العديد من الصفحات لمسيرة جورج بالانشاين اسمه الحقيقي هو جورجي ميلوتونوفيتش بالانشاينادزي ؟ الجيورجي الأصل إنما المولود في سان بطرسبورغ ـ لينينغراد أثناء الحقبة الشيوعية ـ التي كان قد دخل إلى «المدرسة الإمبريالية للباليه» فيها وعمره 9 سنوات. وأصبح أستاذا للباليه عام 1925، وبعد العمل مؤقتا في انكلترا وفرنسا هاجر عام 1934 إلى الولايات المتحدة الاميركية حيث أسس مدرسة الباليه الأميركية وتولّى إدارتها.
قدّم عروضا للباليه على مسرح «برودواي» الشهير وأصبح في عام 1948 رئيسا لفرقة باليه مدينة نيويورك الشهيرة. توفي عام 1983 بمرض «جنون البقر» وهو أول المشاهير المعروفين الذين كانوا ضحية هذا المرض.هذه هي المحطات الرئيسية التي يذكرها المؤلف هم جورج بالانشتاين، ولكنه يركّز على العمل التأسيسي الكبير الذي قام به في أميركا «مدرسة جديدة» في رقص الباليه الذي أصبح معه دعوة ل«التسامي» عبر بلوغ درجة من الجمال والإتقان.
وذلك على أساس نهج اعتبر على أساسه أن رقص الباليه هو «قبل كل شيء مسألة مجال وزمن» أما المجال فهو محدود ب«خشبة المسرح» والزمان تمنحه الموسيقى .ودور شبيه لعبه ايغور فيدوروفيتش سترافيتسكي، المولود في روسيا عام 1881 والمتوفي في نيويورك عام 1971 الذي كان أولا قائد اوركسترا روسية قبل أن يكتسب الجنسية الفرنسية عام 1934 ثم الاميركية عام 1945.
وما يؤكده المؤلف هو أن سترافنسكي هو أحد أعظم المؤلفين الموسيقيين في القرن العشرين . وكان هو أحد أهم الرواد الذين أعطوا للموسيقى الكلاسيكية مكانتها في الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
وصفحات عديدة أيضا يكرّسها مؤلف هذا الكتاب للمساهمات الفعالة التي قدّمها المخرج ذو الأصل النمساوي جوزيف فون ستيرنبيرغ والممثلة مارلين ديتريش لفن السينما الاميركية خلال عملهما المشترك أحيانا في هوليود. وهناك أسماء عديدة لمشاهير آخرين يتعرض المؤلف لذكر دورها في الفنون الأميركية ولأسماء كثيرين من الأقل شهرة وكلهم كان لهم دور في تطوي « الميادين الفنية التي كانوا يعملون فيها.وكتاب أيضا من تجارب معاشة عن التبادل الثقافي وعن الاندماج في المجتمعات الجديدة لفنانين ومبدعين قدموا من العالم القديم الأوروبي والروسي إلى العالم الجديد الأميركي.
هؤلاء كلهم يشملهم المؤلف تحت صفة «الروّاد» وتنطبق عليهم مقولة: لقد ظلّوا أجانب وأصبحوا أميركيين بنفس الوقت . إنهم مهاجرون قسرا لكن الحنين إلى بلدان منابتهم لم يغادرهم تماما، وهذا ما عبروا عنه أحيانا بالفن.لا بد من الإشارة أن التجارب التي يتعرّض لها المؤلف منتقاة بعناية فالتأريخ لمساهمات الفنانين الأجانب في الفن الأميركي الحديث يتطلّب بالتأكيد إلى مجلّدات.
الكتاب: فنانون في المنفى
تأليف: جوزيف هوروويتز
الناشر: هاربركولينز- نيويورك 2008
الصفحات : 480 صفحة
القطع: المتوسط
Artists in exile
Joseph Horrowitz
Harpercollins - New York 2008
P.480
