حرص محبو مارغريت يورسنار من خلال نشر كتابها «إرادة حديدية» بعد موتها على طباعة حوالي ثلاثمئة وخمسين رسالة من رسائلها إلى مختلف الشخصيات من كتاب وكاتبات وناشرين وأصدقاء وصديقات، الخ. وهذه الرسائل تخلّد لمرحلة هامة من حياة فرنسا السياسية والأدبية في آن معا.
ومعلوم أن مارغريت يورسنار هاجرت إلى الولايات المتحدة في سن مبكرة نسبيا وأصبحت مواطنة أميركية عام 1947. ومنذ بداية الخمسينات وهي تعيش هناك ولكنها كانت تقوم بالطبع بزيارات منقطعة إلى بلادها الأصلية فرنسا. وهي من الكتّاب المشاهير النادرين الذين غادروا باريس للعيش في الخارج. فقد جرت العادة أن يجيء الكتاب والفنانون من الخارج إلى باريس لكي يبدعوا وينشروا ويستمتعوا بالحرية. نذكر من بينهم ارنست همنغواي وجيمس جويس وسيوران وبيكاسو وسلفادور دالي وعشرات غيرهم.ولكن هذه الرسائل تعكس أيضا أفكارها السياسية من حين إلى آخر. ففي الرسائل التي كتبتها عامي 1958-1959 يتجلى إعجابها بالجنرال ديغول الذي عاد إلى السلطة في تلك الفترة، وتقول عنه بأنه رجل عظيم حقا.
ولكنها في ذات الوقت تبدو قلقة من الكيفية التي عاد بها إلى استلام زمام الأمور في فرنسا. فقد رأت في ذلك نوعا من القسر والإكراه وربما حتى الدكتاتورية.
ولم تتردد في وصف عودته بأنها عبارة عن انقلاب عسكري! فهل كانت صديقة لفرانسوا ميتران حتى تقول ذلك؟ ربما. من المعلوم أن القائد الاشتراكي والرئيس المقبل نشر كتابا شهيرا يدين فيه عودة الجنرال إلى الحكم تحت عنوان: «انقلاب دائم». ولكن ربما كان ذلك عبارة عن مصادفة وتلاق عفوي بالأفكار بينها وبينه ليس إلا.
وفي الرسالة التي كتبتها بتاريخ 7 سبتمبر 1957 تعبر مارغريت يورسنار عن غضبها على حملة السويس العدوانية. وهي المعروفة عندنا بالعدوان الثلاثي على مصر من قبل فرنسا وانجلترا وإسرائيل عام 1956 والتي كان هدفها الإطاحة بجمال عبد الناصر بعد تأميمه لقناة السويس كمعاقبة له.
ونفهم من رسالتها أن الكاتبة الشهيرة كانت مطلعة تماما على الشؤون السياسية وغير موافقة إطلاقا على مشاركة بلادها في حملة ظالمة وفاشلة على بلد آخر، وهذا دليل على عظمتها واستنارة تفكيرها وحبها لقضايا العدل والحقيقة والحرية.
والواقع أنها تقول في رسائل أخرى بأن أوروبا هي بلد الحضارة والنزعة الإنسانية.
ولكنها تنسى ذلك أحيانا وتنخرط في مغامرات استعمارية تافهة. هذا لا يعني بالطبع أنها كفت عن كونها حضارية إلى الأبد، وإنما هي استقالة مؤقتة للعقل والحكمة كما تحب أن تقول. فأوروبا تعود في نهاية المطاف إلى حقيقتها وجوهرها: أي نزعتها الحضارية الإنسانية.
ثم تتحدث الكاتبة الشهيرة عن عصر النهضة والنزعة الإنسانية التي ظهرت في إيطاليا أولا قبل أن تنتقل إلى بلدان أوروبا الأخرى كفرنسا وانجلترا وألمانيا وسواها. وتقول بأن النزعة الإنسانية هي لب الحضارة وجوهرها، فلا حضارة بدون نزعة إنسانية حقيقية.
ونلاحظ أن نجاح روايتها التاريخية الشهيرة «مذكرات أدريان» لم يجعلها تسكر بنشوة النصر والغرور كما يحصل أحيانا لبعض الكتاب، على العكس فإنها راحت تشتغل أضعافا مضاعفة لكي تحافظ على هذه الشهرة وتطورها وتزيدها أكثر فأكثر. ولهذا السبب فإنها انخرطت في ترجمة الشاعر اليوناني الكسندر كفافيس الذي ولد وعاش في مدينة الاسكندرية بمصر كما هو معروف. كما وترجمت العديد من الشعراء اليونانيين الآخرين، وهذا يعني أن الترجمة لديها لم تكن مفصولة عن الكتابة. فهي كاتبة ومترجمة في آن معا. والواقع أن الترجمات تغذي الكتابات والعكس صحيح أيضا.
الترجمة هي بشكل من الأشكال عبارة عن حوار بينك وبين الكتاب الآخرين الذي تترجم نصوصهم. إنه مدار غنيّ، مثمر، محفز على الكتابة الشخصية والإبداع الذاتي.
الكتاب: إرادة حديدية
تأليف: مارغريت يورسنار
الناشر: غاليمار باريس2008
الصفحات: 549 صفحة
القطع: المتوسط
Une volonté sans fléchissement
Marguerite Yourcenar
Gallimard-Paris 2008
P.549

