يتحدث مارك سانت اوبيري في كتابه «حلم بوليفار» عن ذلك الثوري الأميركي اللاتيني الذي أراد ذات مرة توحيد أميركا اللاتينية كلها في »أمة« واحدة. وكان ذلك هو «حلمه» والذي لا يزال حتى الآن وهما ، حسبما يتبدّى من تحليلات هذا الكتاب.

لكن هذا لا يمنع المؤلف من التأكيد بداية على منطقة أميركا اللاتينية تشهد منذ عام 1998 منعطفا واضحا باتجاه اليسار. ويربط مثل هذا المنعطف ب«الفشل» الذي عرفته السياسات الليبرالية الجديدة التي نصّبت إدارة جورج دبليو بوش نفسها قيّمة عليها.وعام 1998 هو الذي كان قد عرف النجاح الأول للرئيس الفنزويلي الحالي «هوغو شافيز». ويرى المؤلف أن ذلك النجاح لم يكن مجرد تغيير في الأشخاص ولكنه كان بالأحرى تغيّرا جوهريا في التوجه السياسي كله، بل ويتحدث في هذا السياق عن «قطيعة» ويقدّم في هذا الكتاب محصلة للنتائج التي ترتبت على تلك القطيعة.ويشير المؤلف منذ البداية أيضا إلى ضرورة تجنّب «التبسيط» من خلال المقارنة بين «النزعة الإصلاحية» التي يتحلّى بها الرئيس البرازيلي الحالي، والعامل النقابي السابق «لولا» وبين «النزعة الراديكالية» لدى الرئيس البوليفي «مورا ليس».

إنه يؤكد على مبدأ «التعددية» و«التنوع» في التغييرات اليسارية بأميركا اللاتينية وعلى »فرادة« كل تجربة في الحكم و»خصوصياتها«. وبهذا المعنى يتحدث عن تجربة »البيروني« نسبة إلى الرئيس الأرجنتيني الأسبق بيرون- الحاكم في الأرجنتين »نستور كيرشنر« الذي عرف عبر بعض الإجراءات باتجاه احترام حقوق الإنسان أن يجذب نحوه شرائح كبيرة من الطبقة الوسطى الأرجنتينية.

ومن الواضح أن مؤلف هذا الكتاب يحرص على تجنب «اللغة الخشبية» في تعرّضه لتوصيف الأوضاع في بلدان أميركا اللاتينية، كما يفرض استخدام العناوين العريضة مثل صفة «الشعبوية» التي يطلقها البعض على التوجهات الجديدة في تلك المنطقة من العالم. وعلى نفس النهج من التحليل يرفض الفصل الشائع لدى المحللين بين «يسارين» في أميركا اللاتينية.

«يسار» يتم وصفه باليسار «الودود» و«الباسم» الذي يمثله الرئيس البرازيلي «لولا» والرئيسة الشيلية ميشيل باشوليه. و«يسار» «قومي متزمت ـ فوضوي» إلى هذه الدرجة أو تلك، ورمزاه الرئيسيان هما شافيز الرئيس الفنزويلي و«موراليس» الرئيس البوليفي.

بالمقابل يصف المؤلف أميركا اللاتينية بأوضاعها الحالية على أنها ذات تعددية حقيقية وأنها «أكثر تعقيدا» بكثير مما يتم وصفها، هذا فضلا عن أنها تتمتع بقدر كبير من «الاستمرارية» وليس من »القطيعة« في الواقع. هكذا وحتى في تعرّضه ل«الثورة» في كاراكاس (فنزويلا) يؤكد على وجود وجه آخر هو تعاظم «النزعة الاستهلاكية» لدى الفنزويليين على قاعدة النهوض الاقتصادي والانتعاش المادي بسبب الارتفاع الكبير الذي عرفه البترول الذي تمتلك منه فنزويلا ثروات هائلة. بل ويؤكد المؤلف أن النزعة الاستهلاكية قد طالت أيضا المقرّبين من الرئيس شافيز نفسه.

وبخصوص التوجه الاقتصادي لفنزويلا، يؤكد المؤلف أنه، وعلى الرغم من اللهجة الحادة التي ينتهجها شافيز ضد الإمبريالية الأميركية، لا تزال فنزويلا تحتفظ ب«نهج اقتصادي عملي». فالولايات المتحدة الاميركية التي تستورد 65 بالمائة من البترول الفنزويلي أصبحت في عام 2006 هي الشريك التجاري السادس للبلاد.

إن تأكيدات شافيز على انتمائه إلى الخط الذي كان قد انتهجه الرئيس الكوبي السابق فيدل كاستور جعلت الكثير من المراقبين يصفونه أنه «ثوري غيفاري ـ جديد» بينما يصفه آخرون أنه «مجرد دكتاتور» لا يهمه سوى البقاء على كرسي الحكم. وفيما بين هذين الرأيين يقدّم مؤلف هذا الكتاب صورة أكثر توازنا للرئيس الفنزويلي حيث يطالب بضرورة الحكم عليه على أساس ما يفعل وليس على أساس ما يقول . وذلك على أساس أن الهجوم العنيف والمتكرر الذي قام به شافيز ضد جورج دبليو بوش بما في ذلك من على منصّة الأمم المتحدة وتشبيه الرئيس الأميركي بعتاة الفاشيين، لم يؤد، أي الهجوم اللفظي، إلى تقليص المبادلات التجارية بين فنزويلا والولايات المتحدة.

أما البرازيل في ظل حكم «لولا». فهنا أيضا يحذر مؤلف هذا الكتاب من الأحكام القاطعة في اتجاه اعتباره مجرّد «ايقونة عالمثالثية» صافية أو اعتباره «خائن لطبقته الاجتماعية».

ذلك أن لولا الذي فاز ديمقراطيا في انتخابات عام 2002 ثم أُعيد انتخابه بنسبة عالية من الأصوات عام 2006 قام بالعديد من الإصلاحات الاجتماعية التي كانت الشرائح الأكثر فقرا في البرازيل هي المستفيد الأول منها.

ولكن بالمقابل ليس من السهل التفريق بين السياسة الاقتصادية العامّة التي انتهجها عهد لولا وبين سياسة الرئيس «الليبرالي» الذي سبقه. التسمية التي يطلقها مؤلف هذا الكتاب على تبنّي الليبرالية الاقتصادية من جهة والإصلاح الاجتماعي من جهة أخرى هي «البليرية ـ نسبة إلى رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير- الاستوائية».

الكتاب: حلم بوليفار تحدي اليسار في أميركا اللاتينية

تأليف: مارك سانت اوبيري

الناشر: لاديكوفيرت باريس 2008

الصفحات: 330صفحة

القطع: المتوسط

Le rêve de Bolivar, le défi des gauches sud-américains

Marc Saint Upéry

La Découverte Paris 2008

P.330