تحت عنوان «حياة في الكتابة» أجرى الناقد جيمس كامبل هذا الحوار الذي نشرته صحيفة «غارديان» اللندنية مع الروائي وكاتب القصص القصيرة وسير الحياة توبايس وولف بمناسبة صدور روايته «المدرسة القديمة» التي استلهم أحداثها من إحدى محطات سيرة حياته، وألقى الضوء بصفة خاصة على الأهمية الاستثنائية التي تتمتع بها هذه الرواية في مجمل أعماله الإبداعية، وقال إنه خلافاً للشائع فإن القصة القصيرة الأميركية تمر بأزهى مراحلها، لكن القراءة هي التي تنحسر، وان الاهتمام بالأدب يتراجع ليغدو أمراً يعني النخبة وليس جمهور القراء العريض. وفيما يلي نص المقابلة:

جلس توبايس وولف في مكتبه بقسم اللغة الانجليزية في جامعة ستانفورد، الذي عمل بالتدريس فيه منذ عام 1997، وأشار ضاحكاً إلى أن كل كتاب الأعمال الإبداعية يقولون إنهم يمارسون عملهم باختراع الأكاذيب، لكنه هو نفسه كاذب حقيقي، وان هذه الصفة ما كان ليصل لولاها إلى حيث هو الآن، فقد دخل إحدى أعرق المدارس في نيويورك مستعيناً بمجموعة من التوصيات التي كتبها بنفسه .

والتي كفلت له الحصول على منحة للدراسة في هذه المدرسة التي كانت بالنسبة له بمثابة فردوس قضى فيه عامين قبل أن يطرد منه شر طردة، فمضى إلى رحاب المغامرات في البحر ومن ثم الالتحاق بذوي البيريهات الخضراء في الجيش الأميركي في ربيع 1967، حيث أرسل مع غيره من رجال القوات الخاصة لخوض حرب فيتنام. وهو يقول إنه قد كتب عن هذا كله بدقة بالغة في روايته القصيرة «المدرسة القديمة» وأيضاً في كتابين ينتميان إلى كتابات سير الحياة هي «حياة هذا الفتى» و«في جيش فرعون».

الواقع أنه لم يقدر لوولف أن يتخرج من المدرسة التي منحت الرواية عنوانها إلا في عام 1990، ولكنه لكي يصل إلى هذا المنعطف وينطلق منه إلى الدراسة في جامعة أوكسفورد، كان عليه أن يختار بين الانخراط في صفوف الجيش الأميركي أو العودة إلى فوضى الحياة اليومية، وقد فضل البديل الأول.

وهو يقول في هذا الصدد: عدت من جديد إلى الفتية الذين نشأت معهم. ولكنني بحلول ذلك الوقت لم أعد منهم تماماً، فقد تعرضت لتأثير آخر في هذه المرحلة .وكان وولف في مرحلة التدريب بالجيش قد تعلم بعض مبادئ اللغة الفيتنامية، وعهد إليه بالعمل مستشاراً لكتيبة تابعة لجيش فيتنام الجنوبية في منطقة دلتا نهر اليكونج الرهيبة.

وقد انتظر وولف 25 عاماً قبل أن يؤلف كتابه « في جيش فرعون» الذي يدور حول أحداث حرب فيتنام، ويجمع الكثير من النقاد على أنه يعد واحداً من أفضل الكتب التي ألفت حول هذه الحرب، حيث يصور وولف الذي كان في الثانية والعشرين من العمر في ذلك الوقت نفسه وهو يعيش في حالة من «الفزع المتقطع» التي لا يضمها معاً إلا مزيج من النزعة الوطنية وغزيرة البقاء. وقد كفلت هذه الأخيرة له العودة إلى وطنه على قدميه في نهاية المطاف.

ويقول في هذا الصدد: يمكنك القول بإنصاف إنه أياً كانت النزعة الوطنية التي كانت لديَّ عندما تطوعت لأول مرة للالتحاق بصفوف الجيش الأميركي لم يقدر لها البقاء بعد معايشتي للحياة العسكرية .

ويضيف: من الأمور التي تسألها لنفسك عندما تنطلق لتأليف كتاب كهذا، ما الذي لديَّ لأضيفه؟ وقد كنت على تمام الوعي بكتب مثل «رسائل» لمايكل هير و(وداعا لكل ذلك) لروبرت جريفز وكنت قلقاً من الوقوع في قبضة الكليشيهات المتعلقة بالحرب وبفيتنام بصفة خاصة. وبدأت بتأليف قصة قصيرة أحببتها، ولكنني كنت مدركاً كذلك أن غرابة تجربتي لم تندرج في هذه القصة. ولذا كتبت صورة بضمير المتحدث عن شيء حدث في عيد الشكر وحدثت نفسي قائلاً: نعم، هذه تجربتي .

كان وولف يشير بذلك إلى الفصل الاستهلالي في كتابة «في جيش فرعون» والذي يحمل عنوان «عيد شكر خاص»، ويروي قصة رحلة مندفعة بسيارة جيب لجلب جهاز تلفزيون ملون، لكي يتمكن الملازم وولف وزميله الرقيب بينت من مشاهدة حلقة من مسلسل بونانزا .

ويعقب وولف قائلاً: كانت القصة الأسبق زمنياً أقرب إلى ما يعتقد الناس بصفة عامة أن حياة الجندي كانت عليه في فيتنام. ولكن هذا النص أعطى الشعور بالأصالة. وحدثت نفسي قائلاً: أوه، يا للجحيم، إنني في طريقي إلى تأليف كتاب يوميات آخر .شأن الكثيرين ممن شهدوا القتال عن كثب، فإن وولف يرسم صورة متواضعة عن دوره فيه.

ويقول: كان يمكن أن أواجه متاعب أسوأ بكثير مما كنت فيه. كان ينبغي أن أواجه أسوأ مما تعرضت له. في اليوم الأول لوجودي هناك، شاركت في عملية، وحاول أحدهم قتلي بإلقاء قنبلة يدوية تحت سيارتي الجيب. وتعرضنا لكمين على الطريق في غضون يومين أو ثلاثة من وجودي هناك، وكنا نتعرض للقصف بالهاونات بين الحين والآخر . وقد بدأ كتابة رواية في فيتنام. وهو يتذكر: كان ذلك شيئاً رهيباً، فقد كنت مشتتاً على الدوام.

ولكنني كنت أعرف بالفعل أنني سأكون كاتباً، وجميع الكتاب الذين أعجبت بهم ـ هيمغواي، فوكنر، ميللر ـ لديهم تجربة حربية من نوع ما وأدرجوها في أعمالهم، ولينطبق هذا بصفة خاصة على هيمنغواي. وقد أدركت أن تجربته الحربية على الرغم من قصرها إلا أنها دعمت كتاباته. وبأمانة شديدة فقد كانت دافعاً أدبياً هو الذي قادني إلى الجيش في المقام الأول.

إن الصخرة التي استقر عليها وولف بحسن طالع يستحقه يمكن أن يقال إنها الأدب الأميركي المعاصر. ولم يقدر لكاتب قط أن يعاني من الربط بينه وبين حركة رائجة، وقد تم الربط بين وولف منذ بداية مسار حياته العملية وبين ريموند كارفر الذي كتب مقدمة لكتابه الأول، وهو مجموعته القصصية «حديقة شهداء أميركا الشمالية» الصادرة في عام 1981.

وخلال الثمانينات وصف الكاتبان جنباً إلى جنب مع ريتشارد فورد وكاتب الرحلات جيفري بـ «الواقعيين القذرين» حسبما أطلق بيل بوفورد رئيس تحرير مجلة «جرانتا» آنذاك. لكن وصف الواقعي القذر يثير لدى مجرد الإتيان على ذكره أنيناً من جانب وولف الذي يقول: أوه، لطفاً، لا تتطرق إلى هذا الموضع، فنحن جميعاً نحس بأن هذا يجرح مشاعرنا. نعم، كنت أنا وريتشارد صديقين، ولكن الارتباط اجتماعي أكثر منه جمالي، إذا كان بوسعي التعبير عن الأمر بهذه الطريقة .

كان كارفر يكره وصفه بأنه جزء من قطيع. وفي مقال تم نشره في عام 1988، وهو العام الذي توفي فيه كتب يقول عن الواقعية القذرة: إن فورد وولف وكارفر لا يحملان هذا الأمر على محمل الجد، فهم لا يشعرون بأنهم جزء من مجموعة«. ويتذكر كارفر في المقال نفسه مقابلة وولف في إحدى الكليات في فيرمونت، في وقت كان هذا الأخير ينشر قصصه في المجلات فحسب: أتذكر أنني استيقظت في الخامسة صباحاً، في غمار معاناتي من عناصر القلق الخاصة بي، لأجد توبى في المطبخ جالسا إلى المائدة. وبدا منحرف المزاج، كأنه لم ينم منذ أيام، وهو ما حدث له بالفعل .

ورداً أعلى سؤال عما إذا كان يخشى على صحة القصة القصيرة، يبادر وولف إلى إبداء ثقته، قائلاً: »لا، على الإطلاق. أوه، يا إلهي، كلا. إنها قوية كأقصى ما يمكن أن تكون.. والشيء الوحيد الذي أقلق عليه هو تراجع معدل القراءة، ولكن ربما كان الأدب يعود إلى حيث كان في الماضي باعتباره شيئاً يخاطب شريحة محدودة نسبياً من إجمالي السكان. وآمل ألا يكون هناك ما يثير القلق على صحة القصة القصيرة بصفة خاصة .

منى مدكور