تعد رواية توبايس وولف «المدرسة القديمة»، في آن، احتفاء بالأدب وتغنياً رقيقاً بالبراءة المفقودة للحياة والفن الأميركيين. وتقع أحداثها في مدرسة ثانوية في نيو انغلاند في أوائل الستينات، وهي تتصور لحظة رعوية أخيرة، قبل انفجار حركة الحقوق المدنية وحرب فيتنام واغتيال جون كيندي وانتحار إرنست هيمغواي.

إن الراوية، الذي لا نعرف له اسماً على امتداد العمل، هو أحد الفتية الذين تدور حياتهم حول مدرسي اللغة الانجليزية في المدرسة، أولئك الموسوعيون الذين يبدو أنهم يعرفون «على وجه الدقة وهو أكثر جدارة بأن يعرف». وبالنسبة للفتية فإن الأدب هو محور الحياة، ويصل استحواذهم إلى ذروته في سلسلة من المسابقات الأدبية التي تقام خلال العام الأخير لهم في المدرسة.

والجائزة في كل مسابقة هي لقاء خاص مع كاتب زائر يعمل محكماً في المسابقة.في البداية، يستغرق الراوية كلية في المعركة، وفيما يخفق في الجهد الذي يبذله لاستقطاب اهتمام روبرت فروست، ثم يعجز بعد ذلك، بسبب المرض، عن التنافس حتى من أجل الحصول على لحظة مع ريان راند، فيكرس طاقاته لرائعة من إبداع بطله الأثير إرنست هيمنغواي. ولكنه إذ يواجه الصفحة البيضاء فإنه يكتشف جبنه وازدواجيته.

ويدرك أنه نأى بنفسه حتى عمن يشاطره في المسكن الجامعي. واستخدم كتابته الإبداعية قناعاً يخفى خلفه كل ما يتعلق ببيته الذي ينتمي إلى الطبقة المتوسطة. ومن خلال التنافس على هيمنغواي فإن كل أوهامه حول الأدب تتبدد.

بهذا المعنى فإن «المدرسة القديمة» كتيب أنيق الصياغة، مقتضب العبارة، واضح النثر. وكل فصل في هذه الرواية قائم بذاته ومتحرر من كل ما يمكن أن يعد فائضاً وزائداً عن الحبكة الجوهرية، المناخ النفسي والشخصيات.

قرب نهاية الرواية نجد أن الراوية،الذي أصبح الآن كاتباً يحظى بالتقدير والاحترام، يتخيل أنه ذات يوم سوف يكتب عن الأيام الخوالي في مدرسته القديمة. ولكنه لا يجرؤ على القيام بذلك، ويقول في هذا الصدد: الذاكرة هي، بداية، حلم.

وما لدى كان حلماً بالذاكرة، لا يمكن إخضاعه للاختبار «المدرسة القديمة» تلح على هذا التداخل بين الأحلام وتفسير الكبار للذاكرة. ويخوض وولف غمار التعرض للنزعة العاطفية، ولكنه مع ذلك يواجه العصر الذهبي الذي لم يقدر له أن يتحقق قط. ومن هذه المواجهة يستقطر رواية قوية عن التوقعات التي منيت بالخيبة، وفي نهاية المطاف يصل إلى الوعي بالذات المفعم بالتحرر.

وربما لم يقدر لرواية على هذا القدر من صغر الحجم أن تثير أصداء واسعة النطاق كتلك التي أثارتها «المدرسة القديمة».ها هو فرانسيس بروز يبادر في مقال مطول في مجلة «بيبول» إلى القول عن رواية توبايس وولف هذه: ما من كلمة يتم إصدارها في هذه الرواية الوجيزة والمتألقة التي تدور حول الطريقة التي تغير القراءة حياتنا وتشكلها وكيف يتعلم المرء أن يكون كاتباً وانساناً واعيا وتكتب كارميلا سيورارو في صحيفة «لوس انجلوس تايمز» قائلة إن: وولف يثبت نفسه من جديد كاتباً من الطراز الأرفع، فهو في جانب منه راوية وفي جانب آخر فيلسوف وفي جانب ثالث شخص مهم في طرح الأسئلة الأصعب التي تستغرق عمراً لحسمها .

وتكاد أدريان ميللر في مجلة «إسكواير» تهتف قائلة: أنشودة متألقة تتغنى بالكتاب وبالكتابة. من واحد من أروع رواتنا .ويكتب سفين بيركيرتس في «واشنطن بوست» قائلاً: هذه الدراما المهمة والدافعة للغيظ تضع القراء في ساحة يصادفهم عليها كتاب مختلفون مثل جي.إم كويتز، فيليب روث، كونراد وهاتورن.. إنه عمل يستحيل تقليده، ويقنعنا مثلما يفعل أرقى الفنون بأنه مهما اجتهدنا في عملنا فإن هناك دوما المزيد الذي يمكن أن نراه .

ويقول كين توكر في «بالتيمور صن» إن «المدرسة القديمة» عمل جديد تماماً، حتى وهو يروي لنا القصة التي تجتذبك بالصوت الدافئ للراوية، ويمضي مثلما حلم بالبراءة والخبرة، ولكنه قرابة النهاية يتخذ منعطفاً لا ينبغي لنا إفساده على القارئ بالحديث عنه، وهو يبدع عالما تتوهج واقعيته بالحياة حتى ليوشك أن يكسر فؤادك».ويقول ديفيد هولمان في مجلة «لايبراري جورنال» المتخصصة عن هذه الرواية إنها: رواية كبيرة في بنية رواية صغيرة، والمرء لا يملك إلا التوصية بها إلى أبعد الحدود .

وعلى الرغم من تعدد هذه الإشادات برواية وولف، إلا أن المرء لا يملك إلا أن يلاحظ أن أياً منها لم يتطرق إلى جوهر ما يجعل هذا الكتاب على هذا القدر الكبير من الأهمية، فلابد من الإشارة إلى أنه ما من كاتب يكتب بدقة واقتدار مثل وولف عن العملية التي من خلالها تتشكل الشخصية، وهو هنا يلقي ضوءاً ساطعاً على القوة التي لا تقاوم بل العنف الكامن في الدافع إلى الإبداع. وفي هذا الصدد فإن المدرسة القديمة تعد عملاً حديثاً وفي الوقت نفسه يتجاوز الزمن، ولعلها يمكن أن توصف بأنها إحدى أروع أعمال الواقعية الجديدة الأميركية.

بقى أن نشير أخيراً إلى أنه على الرغم من أن وولف لم يكن سعيداً للغاية بإدراجه ضمن إطار تيار الواقعية القذرة في الأدب الأميركي، لأنه شأن كارتر وفورد لم يكن يحب في أن يكون فرداً في قطيع، إلا أنه يمثل أحد الروافد المهمة في هذا التيار الإبداعي.

وإذا كان ريتشارد فورد وريموند كارفر قد وجدا من يهتم بأعمالما، ويترجم جانباً، وإن كان متواضعاً منها، إلى اللغة العربية، فإن وولف أقل حظاً، فلم يترجم له حتى الان أي عمل من أعماله بما في ذلك روايته القصيرة الفاتنة «لص الثكنة»، بل لم تترجم له قصة واحدة أو مقال واحد إلى لغة الضاد، فلعل هناك من المترجمين العرب من يبادر إلى تغيير هذا الواقع، ولو في الحدود الدنيا.

عندما خاف قيصر من أوفيد

«لابد أن الفتية الآخرين قد استشعروا الغوايات نفسها، وربما كان هذا هو السبب في أن الكثيرين منهم أرادوا أن يصبحوا كتابا. ربما بدا لهم، مثلما بدا لي، أن كون المرء كاتباً يعني الإفلات من مشكلات الدم والطبقة. فقد شكل الكتاب مجتمعاً خاصاً بهم خارج التركيبة المألوفة. وقد منحهم هذا.. القدرة على إبداع صور للنظام الذي يقفون منفصلين عنه، وبالتالي أن يحكموا عليه.

إنني لم أسمع أي أحد يتحدث عن كاتب باعتباره يحظى بسلطة.لقد بعث أغسطس قيصر بأوفيد، الذي يولع به الأستاذ الذي يدرس لنا اللاتينية، إلى المنفى.. ولكن تأثير كل تلك القصص تمثل في جعلي أحس لا بسلطة قيصر، وإنما يخوفه من أوفيد ولماذا يخاف قصر أوفيد إلا لمعرفته بأنه ليس بمقدور إلوهيته ولا فيالقه أن تحميه من بيت واحد من الشعر».مقتطف من رواية «المدرسة القديمة».

الكتاب: المدرسة القديمة

تأليف: توبايس وولف

الناشر: بلومزبري لندن 2008

الصفحات: 208 صفحة

القطع: المتوسط

Old School

Tabias Wolff

Bloomsbury

London 2008

P.208