يرصد المؤلف عبد الفتّاح صبري في كتابه (تحوّلات الخطاب في القصة النسائية الإماراتية) المشهد الإبداعي في الدولة على الصعيدين: الفكري والبنائي لدى الجيل الجديد من كاتبات القصّة اللاتي واظبن على حضورهنّ في المشهد الثقافي والإبداعي الإماراتي، الأمر الذي يذكّر بشهرزاد ودورها الريادي في السرد، نظراً لأن السرد بمقدار ما هو فنّ إنساني ممتع وجميل، هو رصيد فكري ناقد لحالة الإنسان في ظروفه المختلفة، سعت المرأة للتعبير عنه وعن موقفها من معاناته في العموم، ومعاناتها بشكل خاص.
ويؤكّد المؤلّف أن الخطاب الأنثوي الجديد نهضت به قاصات شابات بحثن من خلاله في قضايا تتصل بالذات والجسد والآخر، رافضة بذلك قيم الذكورة المتعالية، بل إنها لدى عدد منهنّ سعين إلى مواجهة هذه القيم وممثلها الرجل، فعملن على تهميشه كردّ فعل على خطابه المتعالي.
يفصّل المؤلّف في الخطاب القصصي الجديد، فيتناول بداية ملامحه العامة مقارناً بين توجّهاته، وتوجّهات قصّة السبعينات التي أسّست لفن القصّة في الإمارات من حيث التداول الرمزي والغنى الدلالي والمكان المتخيّل، ليستنتج أن القصّة الجديدة ركّزت على الوعي بالذات والتفاعل مع القضايا الإنسانية الخاصّة مهملة القضايا الكبرى، على العكس من قصّة السبعينات التي ارتبطت بالقيم الكبرى رافضة الانحياز إلى القضايا الخاصة بالمرأة، لأن الشغل الشاغل للكتاب والقصاصين وسائر المثقفين في تلك المرحلة المهمّة، كان يتحدد في عملية بناء الدولة والتحوّلات الكبرى، مما دفع بكاتبات القصّة للاشتغال على هذه القضايا، فلم يستطعن أن يؤسسن خطاباً نسائياً ذا خصوصية، وإن كنّ قد تمكّن من محاكاة قصة الرجل وتفوقن عليه.
بينما في القصّة الجديدة، ونظراً لأن الجيل الجديد جيل متعولم وعلى تماس مع أنداده في البلدان العربية الأخرى، فقد استفاد على نحو واضح من تقنيات القصّة الحديثة المتداولة عربياً، والتي بدورها سهّلت عملية البوح والتحدّي والتعبير بجرأة عن قضاياها الداخلية، فتحوّلت هذه الكتابة إلى كشف وقراءة للذات والوجود.
وفي هذا الصدد يرى المؤلّف أنه قد رافق هذا الكشف تركيز واضح على الجماليات، حيث تمكّنت القصّة النسائية الجديدة من توظيف بنية المفارقة لإكساب قصّها شيئاً من التوتّر الذي ينحو بالقصّة نحو أفق مغاير، ومن ذلك أيضاً تشابك الأزمنة وتوظيف الرموز والتخييل العالي التقنية، هذا بالإضافة إلى الاهتمام بالوقائع والتفاصيل الصغيرة، وذلك للكشف عما هو أبعد في علاقة الإنسان بذاته أو بجسده على حدّ تعبيره.
يتناول عبد الفتاح صبري بعض المجموعات القصصية للجيل الجديد، فيعمل على تحليلها لتبيان وجهة نظره في تحوّل الخطاب القصصي من القضايا الكبرى إلى الاهتمام بالذات والتفاصيل والأشياء، ومن ذلك مجموعة «أوراق امرأة» للكاتبة عائشة عبد الله، فيرى أن عائشة تمثّل جيلاً جديداً في الكتابة القصصية الإماراتية، وهو يشكّل علامة فارقة في مسيرتها، نظراً لأن القصّة بدأت تتجه إلى العالم الداخلي للمرأة بكلّ ما فيه من آمال وأحلام وتشظّيات، الأمر الذي عكس حال المجتمع الذي تبدّلت قيمه وأفكاره كنتيجة لما استجدّ وللانفتاح على العالم.
وبالتالي فإن القضايا لم تتأطر في وجهة وحيدة تنشغل بها، وإنما انشغلت في الوقت نفسه بقضايا مختلفة كالموت والاغتراب والعزلة والحنين والمسكوت عنه من علاقات الأنوثة، وخصوصاً البوح الجسدي، فيستعرض مجموعة من القصص التي عبّرت عن هذا الجانب بوصفه ثيمة مركزية، بينما القضايا الأخرى ستكون بمثابة تفاصيل وهوامش.
ولدى تناوله مجموعة «ليلة العيد» للكاتبة فاطمة المزروعي أكّد عبد الفتاح صبري انها في كتابتها تواظب على إثارة القضايا الاجتماعية والهموم الإنسانية بالإضافة إلى ما يتّصل بالقلق والاغتراب، وأثر كلّ ذلك على الذات الأنثوية جسدياً ونفسياً، ولذلك تأتي كتابتها كنوع من الاحتجاج ضدّ من يهمشون المرأة ويختزلون صورتها إلى صورة نمطية مستنسخة ومكررة.
أما من الجانب الفني، فهو يرى أن الكاتبة اهتمت بالعلاقات السردية عبر التقطيع الزمني أو بما أسماه تكتيك الزمن، والتدخل المشهدي القاطع لحركة الزمن أو المساهم في تدفقه بسرعة أو في بطء، ليستنتج أن تجربة المزروعي تتطوّر فنياً لجهة اللغة، حيث تتخلّص من إنشائيتها وتعزيز شاعريتها التي تتلاءم وحالة التمرّد على أقانيم الذكورة.
وفي الختام، يؤكّد المؤلّف أن القصّة الإماراتية ستظلّ مدينة للمرأة مرتين: الأولى عندما يعود الباحث إلى البدايات والتوقّف عند ريادتها لفن القصّة، على اعتبار أن القصّة الأولى الموثّقة في تاريخ القصّة للكاتبة «شيخة الناخي» وكذلك فنياً تأتي قصص كلّ من «سلمى مطر سيف» و«مريم جمعة فرج» كنموذجين يستحقان البحث في هذا السبق الفنّي، ولهذه التقانة التي انسجمت وشروط الإبداع، الأمر الذي سيؤكّد لاحقاً حضور القصة النسائية بهذا الزخم.
الكتاب: تحوّلات الخطاب في القصّة النسائية الإماراتية
تأليف: عبد الفتّاح صبري
الناشر: مركز الحضارة العربية القاهرة 2008
الصفحات : 159 صفحة
القطع: المتوسط
عزت عمر
