يستعرض كتاب «من الاسكندرونة إلى الاسكندرية» التاريخ الشخصي للروائي والمسرحي الكبير وليد إخلاصي بكل ما يحمله من حيوية وتألق ونجاح طيلة مسيرته مندرجة تحت عنوان «السحر الحلال» الذي يصدر عن قلم هذا الكاتب المميز الذي كان من أبرز ما لازم سيرته تلك الصور الآسرة لما مضى من أيامه حيث كان البداية من الإسكندرونة ثم حمص، وحماة، وحلب، وأخيرا الاسكندرية مقدمة الكثير من مكاشفاته واعترافاته.
انطلق إخلاصي في بداية سيرته الذاتية من مدينته الصغيرة التي تحولت مع قراها الجبلية إلى هدف يقصده أهل حلب للاستجمام أو التجارة عبر الميناء وكذلك الإقامة الدائمة، حيث عين والده أحمد عون الله إخلاصي مديرا لأوقاف الإسكندرونة حيث أقام فيها وأسرته المكونة من زوجة وولدين ليقيما معا في المدينة البحرية بعيدا عن مدينة حلب العتيقة. أطل الطفل الثالث للأسرة والمسمى وليد على الحياة ليلة السابع والعشرين من أيار للعام 1935،وكانت أيام الاسكندرونة هي الحلم الذي يأتي في النوم واليقظة ليؤكد على بداية التمازج بين الخيال والحقيقة، فكأن بداية المسيرة التي بدأها إخلاصي من أن يطل على الحياة في التوقيت المرسوم له سيتابع التقدم بلا خطة مرسومة لما سيكون.
وكانت المحطة الثانية التي توقف عندها المؤلف هي مدينة حمص وذلك نظرا لظروف عمل والده الجديد والتي بدأت في يوم من أيام عام 1937،حيث قضى فيها أربع سنوات والتي انتهت بمحطة ثالثة هي مدينة حماة وكان ذلك في الأسابيع الأولى من العام 1940،وقد ارتبط منذ بدايته بنهر العاصي الذي يخترق المدينة بمياه الحياة،وبحركة النواعير الشاهقة الارتفاع،وكذلك بأحاديث الناس واعمالهم التي تصبح ضجيجا في الأسواق التي تغلب عليها رائحة السمن والأجبان التي تتفوق على أية رائحة شائعة.
يستعرض وليد إخلاصي الفترة التي استقرت فيها العائلة بحلب في منزل قديم يطل على شارع تخترقه سكة الترامواي عبر صف من الدكاكين والفنادق الشعبية، وكان شارع «باب جنين» السوق المركزية للمدينة فتتوزع منه على المدينة أنواع الغلال والخضار والفواكه، فيتحول منذ منتصف الليل وحتى ساعات الصباح الأولى إلى مركز يعج بالناس من موردين وتجار مفرق.
وتطرق المؤلف إلى المرحلة الابتدائية التي قضاها في هذه المدينة، حيث كان في الصف الثاني في مدرسة الحمدانية التي كانت بحي الفرافرة الذي يضم المنازل بأبوابها المقفلة، وكانت المدرسة عبارة عن دار كبيرة تعج بحركة مئات من التلاميذ ينتشرون في الحوش.
وأشار إخلاصي إلى الظروف المعيشية الصعبة التي كانت سائدة في ذلك الوقت والتي كانت بسبب الحرب العالمية والاحتلال الفرنسي لسوريا،و حالة الفقر التي كانت تحيط بالموظف الحكومي، إلا أن ذلك لم يؤثر على الرغبة الجامحة في التثقف والمطالعة التي كانت من هواياته الكاتب ـ الذي كان يتردد على دار الكتب الوطنية بين الحين والآخر بالإضافة إلى دكاكين سوق «السويقة» التي كان يتم تأجير الكتب فيها.
ومن جهة أخرى تطرق إخلاصي إلى مرحلة أخرى تشبه التعلم مر بها حيث كان فيها مقيدا ببرنامج أو كتاب، وكان القيد عادة استجابة لرغبة والده الذي قرر أن يكون تعلقه بالقراءة الذي يستوجب الاعتناء باللغة العربية.
ولم يكن هناك من وسيلة إلا في قراءة القرآن الكريم وحفظ أكبر قدر من آيات السور على يد شيخ خبير يتقن التلاوة، وهكذا التحق الكاتب في فصل الصيف بمدرسة الحفاظ وهو لا يزال في العاشرة من عمره.وفي السياق نفسه تعرض إخلاصي إلى حلقات الأذكار التي كان يتردد عليها في حي العقبة، حيث يتم فيها إنشاد المدائح النبوية، حيث ازدادت قناعته بطقوس والده الدينية التي تقام في المناسبات الدينية مثل ليلة النصف من شعبان كاحتفال سنوي تنتظره كل العائلة بشوق.
وينقلنا إخلاصي إلى مرحلة أخرى من مراحل حياته ألا وهي المرحلة الثانوية حيث التحق بثانوية «السلطاني» التي بنيت في أواخر القرن التاسع عشر لتكون من أولى الثانويات في سورية،حيث كانت تجربته الاولى مع المسرح حين أخذ دورا في المسرحية التي كانت بلغة غير عربية تقدم لأول مرة في الثانوية، وكانت سسبا في فتح نافذة له أطل من خلالها على عالم مدهش اسمه المسرح، ومنحته تلك التجربة الثقة لينطلق بعدها للمشاركة في فصول مسرحية كتابة وتمثيلا.
الكتاب: من الاسكندرونة إلى الاسكندرية
تأليف: وليد إخلاصي
الناشر: الهيئة العامة السورية للكتاب دمشق 2008
الصفحات: 160صفحة
القطع: الصغير
هاله محمد علي

