يتتبع عادل مصطفى في كتابه «فهم الفهم» مفهوم مصطلح «الهرمنيوطيقا» من بدايته، حيث الاستخدام اليوناني القديم له، أي منذ أفلاطون، مروراً بتجذره مع جهود الفلاسفة كل من دلتاي وهوسرل وهيدغر، ووصولاً إلى تطوره مع جهود كل من الفلاسفة غادامير وهابرماس وبول ريكور.
وتأتي أهمية هذا الكتاب من كونه يقدم محصلة تاريخية فلسفية لمصطلح بات الحديث عنه مدوياً، كما أصبح تطبيقه على النصوص في العلوم الإنسانية حتمياً؛ وذلك قبل أن يظل اهتمام النظرية التأويلية خلال تطورها منذ شلايرماخر حتى غادامير منصباً على عبور الفجوة التاريخية والثقافية التي تفصل مابين المفسر والنص، حتى ظهور عالم الاجتماع الألماني يورغين هابرماس ثم الفرنسي بول ريكور اللذين شقا للهرمينوطيقا طريقاً جديداً سواء من حيث النظرية أم التطبيق، بعد أن استلهم الفلسفة الماركسية إلى جانب مناهج العلوم الاجتماعية، وجعل النقد غاية في ذاته، ثم انصرف الاهتمام إلى نقد الواقع الاجتماعي، السياسي والاقتصادي، أو نقد الفكر من حيث هو وثيق الصلة بمواقف اجتماعية.
وهناك تعريفات عدة مختلفة الهرمنيوطيقا حسبما تطورت في الأزمنة الحديثة، لكنها منذ البداية كانت الكلمة تشير إلى علم التأويل وبخاصة مبادئ التفسير النصي القويم، مع أن حقل الهرمنيوطيقا قد تم تأويله بترتيب زمني تقريباً إلى نظرية تفسير الكتاب المقدس، وميثودولوجيا فقه اللغة العام، وعلم كل فهم لغوي، والأساس المنهجي للعلوم الإنسانية الروحية، وأيضاً فينومينولوجيا الوجود والفهم الوجودي، ومختلف أنساق التأويل، سواء الاستجماعي أو التحطيمي، التي يستخدمها الإنسان للوصول إلى المعنى القابع وراء الأساطير والرموز.
وكان الفيلسوف «دلتاي» ينظر إلى الهرمينوطيقا في أفق مشروعه الخاص بإيجاد نظرية ذات توجه تاريخي لمنهج العلوم الاجتماعية، كما كان «هيدغر» يستخدم لفظة «هرمنيوطيقا» في السياق الأكبر لبحثه عن أنطولوجيا أكثر أساسية. وكان هيدغر شأنه في ذلك شأن «دلتاي»، يبحث عن منهج من شانه أن يكشف الحياة في ضوء الحياة ذاتها.
وفي كتابه «الوجود والزمان» اقتبس «هيدغر»، مؤيداً ومعضداً، هدف دلتاي في فهم الحياة من خلال الحياة ذاتها. وشرع هيدغر منذ البداية في البحث عن منهج أو طريقة يتخطى التصورات الغريبة عن الوجود ويستقصيها إلى جذورها، من خلال البحث عن هرمنيوطيقا تمكنه من أن يكشف اللثام عن الفروض المسبقة التي تتأسس عليها هذه التصورات، وأراد، مثل نيتشه من قبله، أن يضع التراث الميتافيزيقي الغربي كله موضع التساؤل.
وقد وجد «هيدغر» في فينولوجيا إدموند هوسرل أدوات تصورية لم تكن متاحةً لدلتاي أو نيتشه، حيث وجد فيها منهجاً يمكن أن يسلط الضوء على كينونة الوجود الإنساني بطريقة يمكن للمرء بها أن يكشف النقاب عن الوجود ذاته لا عن مجرد أهوائه وتحيزاته وأيديولوجيته. ذلك أن الفينومينولوجيا قد فتحت عالماً جديداً وأتاحت فهم الظواهر فهماً سابقاً على التصورات الذهنية. على أن هذا العالم الجديد كانت له عند «هيدغر» دلالة مختلفة عن تلك التي كانت عند هوسرل.
وفيما كان «هوسرل» يقارب هذا العالم بغرض كشف عمل الوعي بوصفه ذاتيةً ترانسندنتالية، فإن هيدغر رأى فيه الوسط الحيوي للوجود الإنساني التاريخي في العالم، ورأى في تاريخيته وزمانيته مفاتيح لفهم طبيعة الوجود؛ حيث الوجود كما يكشف عن نفسه في الخبرة المعاشة يكشف أيضاً عن التصور العقلي وعن المقولات اللا زمانية للتفكير الذهني المتمركز على الأفكار وحدها.
واقترنت التأويلية المعاصرة باسم الفيلسوف الألماني «هانس جورج غادامير»، كونه أثّر بشكل واضح في الفلسفة المعاصرة، من جهة طرحه الهرمنيوطيقا أو التأويلية كنظرية علمية لفهم النص، أي نص، حتى باتت النظرة الما بعد حداثية هي نظرة تأويلية قائمة على الفهم والإفهام، وبعد أن غدا الفهم من العناصر الرئيسية للتأويلية الفلسفية.
وحاول غادامير تطبيق التأويل على العلوم الإنسانية واللغويات، انطلاقاً من فهم يعتبره أصل المناهج جميعاً، وأراد أن يثبت كلية التأويل، من خلال إعادة تحليل المنهجيات الجمالية في الفن، ثم في العلوم الإنسانية التي يسميها علوم الفكر، ثم في اللغويات والفعاليات اللغوية. وظل اهتمام النظرية التأويلية خلال تطورها منذ شلاير ماخر حتى غادامير منصباً على عبور، أو عدم عبور، الفجوة التاريخية والثقافية التي تفصل ما بين المفسر والنص.
غير أن هذا التركيز من جانب النظرية قد يحمل جرثومة وهنها وذبولها، إذ يبدو أن الهرمنيوطيقا فور زوال الفجوة ستفقد مبرر وجودها ولن يعود لها دور. إلا أن الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغين هابرماس 1929 شق للهرمنيوطيقا طريقاً جديداً سواء من حيث النظرية أو التطبيق .
المؤلف في سطور
عادل مصطفى كاتب وأكاديمي مصري، أصدر عددا من المؤلفات، منها: «العولمة من زاوية سيكولوجية» و«كارل بوبر ـ مائة عام من التنوير ونضرة العقل»، و«نغم الأفكار»، و«دلالة الشكل دراسة في الاستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن». كما ترجم من اللغة الإنجليزية العديد من الكتب الفلسفية والنفسية.
الكتاب: فهم الفهم مدخل إلى الهرمنيوطيقا
تأليف: عادل مصطفى
الناشر: دار رؤية للنشر القاهرة 2008
الصفحات : 501 صفحة
القطع: المتوسط
عمر كوش

