تطرق المؤلف إلى مسيرة حياة ميكيافلي الذي ولد في 3 مايو 1496 بمدينة فلورنسا الواقعة في وسط إيطاليا، اسمه هو نيقولو دي بيرناردو ميكيافلي ينتمي إلى أسرة توسكانية نبيلة عريقة شغل أفرادها على مدى عقود طوال مراكز حساسة، فأصبحوا بحكم ذلك في معمعة الحياة السياسية الفلورنسية النشطة، حتى إن أسرة جده الأكبر قد تعرضت للنفي من المدينة من جراء ذلك في العام 1260، وقد تدهور الوضع المالي لأسرة ميكافللي قبل مجيئه إلى الحياة مما ترك بعض الأثر على تصرفاته.

ويعتبر كامل بأن ميكيافلي قد ترعرع في كنف السياسة والثقافة فقد كان والده محاميا معروفا، وكانت أمه تقرض الشعر، وتلقى تعليما جيدا بالنسبة لعصره إذ درس القانون والتاريخ، وفي السابعة من عمره بدأ تعلم اللاتينية لغة العلم والثقافة آنذاك- وفي بداية شبابه أظهر ميكافللي الميل نحو الثقافتين القديمة والحديثة فقرأ خطب الكاتب والخطيب الروماني المعروف شيشرون، ودرس مؤلفات أرسطو، وتابع باهتمام مؤلفات رائدي النهضة دانتي وبترارك. أما عن المدرسة الأساسية لميكيافلي ذهب كامل إلى أنها كانت شوارع مدينة فلورنيا التي منحت العالم أبرز عباقرة النهضة من أمثال دانتي وليوناردو دافنشي ومايكل أنجلو وغيرهم، والتي تميزت عن غيرها من المدن الإيطالية بنشاطها السياسي الواسع الذي لم يقتصر على النخبة.

وقد تميز ميكيافلي حسب الكاتب ـ بعينين براقتين تنمان عن نظرة ثاقبة معبرة، طول متوسط وشفتان دقيقتان تفصح ابتسامتها عما كان يجول في أعماق نفسه، وكان ذلك ما وصفته المصادر في استنادها لما كتبه عنه معاصروه وإلى لوحات بعض رسامي عصر النهضة، ومن ناحية أخرى عرف ميكافلي بسرعة البديهة بشكل نادي وبتأثيره على مستمعيه وبإجادته للحديث الجاد والمرح مع مختلف المستويات بدءا بحطابي قريته ومرورا بأمراء ايطاليا وانتهاء بملوك أوروبا، محاولا في كل الأحوال أن يكون مرغوبا قريبا إلى قلوب الآخرين.وفي وصفه ميكيافلي يرى كامل بأنه كان ودودا في غاية الإخلاص لأصدقائه وكان بعيدا عن القسوة في حياته ولم يضاهه أحد من إعلام عصره في صراحته، وإلى جانب ذلك شكاكا موسوسا بالإضافة إلى كونه زير نساء وعاشقا للجمال إلا أنه لم يفقد القيم أبدا ولم يفسح المجال لأمر ما يفسد عليه حياته العائلية.ويرى المؤلف بأنه على الرغم من إمكانات ميكيافلي وفكره الثاقب إلا أنه لم يحتل في وقت مبكر المكان المرموق اللائق به في جهاز الحكم والوسط السياسي الفلورنسي.

والسبب في ذلك يعود بالأساس إلى افتقاره للوسيلة او للوسيط الذي كان بإمكانه إيصاله إلى مسرح الأحداث، وعندما بلغ أعتاب ذلك المسرح كان يبلغ من العمر 29 عاما، وقد سبقه الآخرون إلى المراكز الحساسة فيه.وأشار كامل إلى وظيفة ميكيافلي الذي كان ضمن واضعي سياسة الجمهورية ومخططيها، وبقي مدة 15 عاما قام خلالها بأربع وعشرين بعثة دبلوماسية هيأت له ظروف الاتصال المباشر بأهم الشخصيات الإيطالية والأوروبية يومذاك منهم البابا وملك فرنسا وإمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة.

وقد اكتسب خلال سفراته هذه خبرات واسعة بأن وقف من كثب على خفايا العلاقات الدولية وأساليب الحكم الأوربي، فإنه زار البلاط الفرنسي وحده أربع مرات استغرقت أشهرا عدة عرف خلالها عادات الفرنسيين ودسائس البلاط وغيرها من مقومات حكمهم مما انعكس مع تجاربه الأخرى في مؤلفاته بشكل واضح بعد أن أدرك بأن في هذا العالم شيء يستحق التأمل والاستقصاء.

كما استعرض الكاتب المنهج الفلسفي ميكيافلي الذي تميز بمدى شغفه بالتاريخ وكثرة استخدامه للأحداث التاريخية للتدليل على صحة أفكاره، ومن هنا اعتبر بأنه أحد مؤسسي طريقة التحليل التاريخي الحديث، وكانت لذلك أسباب عدة أثرت على فكره منها ضعف حال الدولة آنذاك، وكثرة المشاكل السياسية.

ويرى كامل بأن التصور الذي وضعه ميكيافلي للطبيعة الفردية للإنسان ينطبق على الطبيعة الخاصة لسلوك الدول على المحيط الخارجي، فكلها ميالة إلى اكتساب القوة والاعتداء على الدول الأخرى ومما يزيد الوضع سوءا عدم وجود أي حكومة على المستوى العالمي تفصل بين الدول.

ووقف المؤلف عند آراء ميكيافلي السياسية وذلك من خلال دراسة ثلاثة من أهم مؤلفاته الأربعين : «الأمير» و«المطارحات» و«فن الحرب»، حيث اعتبر ميكافلي في البداية الجمهورية نظاما أمثل للحكم.

ولكن بعد تحليله للأوضاع القائمة في إيطاليا التي كانت في عهده مقسمة إلى خمس دول كانت علاقاتها تتسم باستفحال الحروب والخلافات فيما بينها، مما جعل كل الوطن هدفا سهلا للغزو الأجنبي المستمر، وبهذا توصل في كاتبه الأمير إلى الاستنتاج بان خير نظام يمكنه تحقيق وحدة إيطاليا هو ذلك النظام الذي يستند إلى سلطة مركزية ديكتاتورية مطلقة قوية، لا تقف في سبيلها الاعتبارات الدينية والدنيوية والأخلاقية.

ومن هنا تطرق الكاتب إلى العلاقة بين السياسة والأخلاق لدى ميكيافلي باعتبارها أحد أكثر القضايا الشائكة التي يثيرها كتاب «الأمير» والذي كان صدمة لكل دعاة العدل والحرية في المجتمعات البشرية، حيث حوى هذا الكتاب نصوصا وتعليمات ونصائح للأمير تشكل دستورا للاستبداد والطغيان، تحت دعوى الواقعية والبراجماتية وتحقيق المصلحة واستقرار الحكم، وقد كان ميكافللي مدفوعا في كتابته لهذا الكتاب بكراهية ورفض لتحكمات الكنيسة ورجال الدين في عصره، فأراد أن يفصل تماما بين الدين والسياسة، وتمادى في ذلك بأن فصل بين الأخلاق والسياسة.

ومن جهة أخرى أشار الكاتب إلى أشهر أعمال ميكيافلي التي تعدت 30 كتابا أهمها كتاب «مقالات في العشرة كتب الأولى لتيتوس ليفيوس» والذي سمي فيما بعد بـ »المطارحات «، وكذا كتاب »فن الحرب«، وكتابه الأمير الذي لم يتم نشره إلا بعد خمس سنين لهذا لم يفهمه البعض وهاجموه، حتى أصبح اسمه ملازما للشر دائما حتى في الفنون الشعبية.

الكتاب : ميكيافلي ظل الشيطان على الأرض

تأليف: مجدي كامل وأحمد ناصيف

الناشر : دار الكتاب العربي حلب 2008

الصفحات: 206 صفحة

القطع: الكبير

ناهد رضوان