جيلنا الحالي تربى عقائدياً على الخوف، خوف من الحاضر وخوف من المستقبل، وخوف من الآخر المختلف عنا، وخوف من الماضي المقدس أن يرسل إلينا جحافل الظلام، لتعد أنفاسنا وتفرز طريقة عيشنا وتوافقها مع عقلية الأمس، وهل نستحق حيزا من الجغرافيا والهواء، أم يهدر دمنا، لقد بتنا نخاف من عابري القنوات الفضائية الذين يقررون من يموت ومن يعيش، وبتنا أكثر خوفا من الغد حيث تتراجع قيمة الحكمة لتحل محلها الفورات والاندفاعات التي أوصلت حياتنا إلى الهاوية.
لقد كانت هناك تهمة جاهزة خلال النصف الثاني من القرن العشرين مفادها الخيانة الوطنية، وذات يوم أصبحت موضة سياسية، وصفة جاهزة لكل من يخالفنا الرأي أو لديه وجهة نظر مغايرة، بداية كان يتهم بقلة الوطنية ولكن قلة الوطنية سببها ذلك الزرع الذي لم يبذر بشكل جيد ولم يسق من ماء الكرامة، ويمكن عبر العودة إلى بعض مناهجنا في التربية الوطنية والقومية نجد ان الإنسان من صغره يتعلم مبادئ خاطئة.
في حين عاش جيل بأكمله خلال النصف الأول من القرن الماضي وهم القومية والوطن الكبير الخالد، ثم ما لبث ذلك الجيل أن عاش وهما آخر هو وهم الثروة، وهو الجيل الذي يرى بعينيه كيف تراجعت أحلامه وانتهى به المطاف إلى ما نراه اليوم من يأس قاتل. جيل أورثنا الخوف ضمن جملة الأوهام التي صدرها إلينا. لقد عمل مدرسوه على حشو رأسه بالتاريخ الناصع والمجيد، بالفتوحات والانتصارات، بالإمبراطورية التي امتدت من الصين إلى أوروبا.
قبل الشروع في بناء الأوطان كان يجب التفكير في بناء الإنسان ولا يمكن للإنسان أن يصاغ إذا لم يكن حراً والحرية كلمة مرعبة في وطن تحول إلى معتقل كبير. عملية بناء الإنسان تبدأ عبر تعليمه وتثقيفه بحيث يتحول معه الوطن إلى قيمة عالية مستعد للدفاع عنه بدمه وبذلك يكون الإنسان حراً يبذل روحه للدفاع عن وطن منحه الحرية.
لكن للأسف في وطننا العربي الحرية لا تمنح لأحد إلا بشروط وإذا أخلَّ بها المرء يتهم بالخيانة الوطنية وهي تهمة تقود إلى دمار الأوطان! فالأجيال الحالية تعلق على مشجب ماضيها وعلى رموز ذلك الماضي كل ما نعانيه الآن من خيبات وأزمات، فقد تكرست القطرية وزادت البطالة والفقر وعمَّ الخوف وتراجعت الديمقراطية وانتشرت السجون، والآن هذا الجيل مهدد باستعمار جديد باسم الديمقراطية. وللأسف بعض هذا الجيل ينظر إلى تلك الديمقراطية بعين حالمة.
ما هي قيمة الثقافة إذا لم تجعلنا أقوياء؟ وما نفع الملاحم اليوم ونحن نخاف المرور قرب شرطي حتى لا يعتقلنا ونخاف المرور قرب سفارة أجنبية حتى لا نتهم بالخيانة؟ وما نفع كل تاريخنا أو مستقبلنا مرورا بحاضرنا عندما يكون مرهونا لمن يعيشون بجلابيب ماضيهم ويفورون كالبراكين ناشرين الرعب في قلوب بريئة آمنة؟.
