السينما في ايطاليا لم تعد لحظة تماهٍ بأوهام الحياة، بل إنها ثقافة وفن يقدمان مزيجا من المتعة الروحية والبصرية والوعي المعرفي، إنها مرآة المجتمع والإنسان. وها هي من جديد تعيد كشف النقاب عن فترات سياسية تاريخية ساخنة سابقة بتقنية فنية عالية تتوخى مساءلة الذاكرة الجماعية الايطالية.

من جديد تعالج السينما الايطالية قضية سياسية ساخنة بجرأة كبيرة لتنبش عن تلك اللحظات الحرجة من تاريخ البلاد المعقد المحكوم بعشرات الميول والنزعات المتناقضة، وعن مسلسل الجرائم المنظمة الذي يريد لايطاليا أن تبقى عن عمد وسبق إصرار بلد الفوضى السياسية. فيلم «المؤلّه» أو المبجل والتي كان اندريوتي يستسيغ سماعها على الدوام من حاشيته السياسية للمخرج باولو سورينتينو، الحائز على جائزة السعفة الذهبية للجنة التحكيم في مهرجان «كان» بدورته الاخيرة يقيم محاكمة بدون مغالاة ولاتضخيم ضد من استخدم بشكل سيء السلطة وامتهن حرية الانسان الايطالي وكرامته.انه فيلم عن «عراب» السياسة الايطالية وثعلبها الماكر الذي تربع على عرشها اكثر من خمس واربعين سنة والذي نسج خيوطها، ووثق علاقاته مع عصابات المافيا الاجرامية وسعى إلى التعاون معها من اجل تأمين المصالح المشتركة.

جوليو اندريوتي البالغ من العمر اليوم 89 سنة، يمتاز بانه كاثوليكي متدين يواظب يوميا على حضور القداس في كنيسة الحي باكرا قبل الانصراف إلى هموم السياسة، ادهى رجل سياسي عرفته ايطاليا منذ عشرات السنين، ورئيس وزراء ايطاليا لسبع مرات ووزير خارجيتها لخمس مرات، يعتقد بأنه بأن كل شيء في الكون يتحرك نحو غاية مسبقة محسوبة لا دخل للإنسان فيها، وعليه أن يطيع قوانينها المطلقة. مؤكدا على البعد الثابت في التجربة الإنسانية في نسبيتها، وتغيرها، وارتكازها على الفعل الإرادي إلى بعد مثالي تحكمه قوانين مطلقة لا سلطان للإنسان عليها، وعليه فقط أن يدركها ويطيعها، ودوره على رأس السلطة يتمثل بالحفاظ على هذه القيم الروحية التي تشكل جوهر المسيحية ـ حسب اعتقاده ـ لهذا فإن الارادة الالهية تأمر من هو على رأس السلطة بتصفية وإبعاد كل من يعترض على ما يسميه بحكم القدر.

يبدأ الفيلم بعملية قتل الصحافي مينو بيكوريللي رئيس تحرير إحدى المجلات اليسارية، حيث لقي مصرعه بأربع رصاصات أطلقها مجهولان في احد شوارع العاصمة روما في 20 آذار(مارس) من عام 1979، بعد أن طلب اندريوتي نفسه من المافيا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من شخص تانو بادالامنتي احد زعماءه المرموقين آنذاك بالتخلص من الصحافي المثير للقلق فاستجاب بادالامنتي للأمر وأرسل اثنين من القتلة المحترفين لتنفيذ المهمة بإطلاق أربع رصاصات على الصحفي داخل سيارته وهو الأسلوب الشهير للمافيا فأردته قتيلا في الحال.

كانت لدى هذا الصحافي اليساري معلومات مفادها أن تيار اندريوتي في حزب الديمقراطية المسيحية حصل على كميات كبيرة من الاموال من شركات أفلست وكانت قد حصلت على مئات الملايين من الدولارات من البنوك الحكومية بفضل علاقات الصداقة مع اندريوتي وعندما مات الصحفي كانت الشرطة قد عثرت بين أوراقه على مقال لم ينشر تحت عنوان «كل شيكات الرئيس» يتضمن ارقام شيكات بإجمالي مليوني دولار بأسماء وهمية وضعت تحت تصرف اندريوتي وسيقوم بصرفها المقربين منه. وقد تلقى الصحفي في اليوم السابق لموته من احد المقربين من اندريوتي عرضا بشيك مصرفي بمبلغ يعادل 60 ألف دولار من اجل عدم نشر المقال، إلا انه رفض هذا العرض.

حفظ التحقيق في حادث مصرع الصحافي بيكوريللي عام 1979 وعادت القضية للظهور مرة أخرى في عام 1993 عندما اعترف تومازو بوشيتا احد ابرز زعماء المافيا من التائبين والذي كان يعيش في الولايات المتحدة بحماية مكتب التحقيقات الفيدرالية، بأن تانو بادالامنتي قد ابلغه ان المافيا قامت بقتل الصحفي لمصلحة اندريوتي لأنه كان يعلم بوجود رشاوى.

فضلا كونه على علم بأسرار تتعلق باختطاف وقتل الدو مورو رئيس الوزراء واحد أقطاب الحزب السابقين، وبناء على هذه الاعترافات تمت إعادة المحاكمة وبدأت هيئة المحكمة في فتح الملفات مرة أخرى وطلبت الاطلاع على مقالات الصحافي القتيل من ارشيف المجلة لتكتشف أن الغالبية العظمى من مقالاته كانت تستهدف اندريوتي الذي كان يطلق عليه الصحفي لقب «الأب الروحي» نسبة إلى زعماء المافيا.

ينتقل الفيلم الذي ـ أثار جدلا كبيرا في الأوساط السياسية اليمينية الحاكمة والذين يحملون انتماءات سابقة إلى حزب الديمقراطية المسيحية المنهار ـ إلى مسلسل من القضايا التي تكشف عن أحداث ووقائع وشهادات وتواريخ ومناسبات ولقاءات واسماء واعترافات «تائبين» كان أشدها إثارة للذهول قبلة طبعها اندريوتي على وجنة سلفادوري ريينا «زعيم زعماء المافيا» المحكوم حاليا بالسجن المؤبد، عندما اجتمع به إحدى المرات في باليرمو.

بإيقاع سريع لاهث وزوايا غريبة للكاميرا، هي الطابع السائد في بناء هذا الفيلم الذي طغى عليه اللون الأسود والأبيض أينما حل هذا الرجل بحدبته ويديه المتشابكتين للأمام وبرودة أعصابه وتعليقاته الساخرة (قام بدور اندريوتي الممثل الايطالي القدير توني سيرفيللو) ليعتمد على السيناريو الدقيق والمدروس بعناية فائقة، وهو سيناريو يمزج بين الخاص والعام ويمتلئ بكافة الأبعاد المدروسة لإبراز التناقضات والانسجامات في شخصية هذا الرجل الذي يتسم بذكاء كبير، فمزج المخرج بين الاسلوب الروائي والطابع التسجيلي في بناء العديد من المشاهد، مع الاستفادة من إمكانات الحركة والحوار.

رجل المصارف روبيرتو كالفي رئيس إدارة مجلس بنك امبروزاينو ارتبط اسمه بواحدة من الفضائح التي هزت ايطاليا وكانت سببا عجل في انهيار حزب الديمقراطية المسيحية التي حكمت البلاد طيلة فترة ناهزت الأربعين عاماً، ألا وهي قضية المحفل الماسوني التي أطلق عليها تسمية(ب- 2) وكان لوتشو جيللي الذي وقع عليه الاختيار لمهمة إدارة المحفل الماسوني الذي ضم عددا كبيرا من رجال الدولة الايطالية ابتداء من اندريوتي ومرورا بوزراء ومدراء بنوك وقادة سلكي الشرطة والدرك واصحاب صحف ورؤساء تحرير ورجال أجهزة الاستخبارات.

والمحفل الماسوني هذا اعتبر وراء عدد من الجرائم الإرهابية الكبيرة التي هزت البلاد وراح ضحيتها عشرات الأبرياء، أبرزها المحاولة الانقلابية عام 1976 وتفجير محطة القطار في مدينة بولونيا الشمالية التي كانت معقلا لليسار الايطالي في عام 1980 وراح ضحيتها 85 بريئا تم الكشف بعد مرور عدة سنوات عن أدلة ووثائق تؤكد وجود «عراب» كبير على رأس السلطة في البلاد في وراء هذه المجزرة، قام بالتنسيق مع القوى الفاشية واليمينية بالاشتراك مع ضباط كبار في جهاز الاستخبارات الايطالية «سيزمي» والمجمع الماسوني، اضافة إلى عصابات المافيا، أعقبت ذلك حادث نسف القطار فلورنسا- بولونيا، وقبلها كانت مذبحة ساحة فونتانا بمدينة ميلانو، وقنبلة ساحة مدينة بريشا الشمالية، وعشرات من الاغتيالات التي توجهت لعدد كبير من الصحفيين اليساريين في جزيرة صقلية وأساتذة الجامعات وقادة النقابات.

يبرز الفيلم مشهد صحت فيه مدينة لندن شتاء شهر ديسمبر 1982 لتجد الرجل المصرفي كالفي يتدلى معلقا من رقبته بحبل غليظ في إحدى السقالات تحت جسر بلاك فرايرز على نهر التايمس وقد حشوت جيوب بدلته السوداء ومعطفه بمجموعة من الأحجار إضافة إلى 24 ألف جنيه استرليني من العملات المختلفة و12 رطلا من الذهب الخالص.

على هذا النحو ينتقل الفيلم إلى مجزرة من نوع اخر، يبنيها المخرج على الوصف الدقيق للمكان، معتمدا على خلق علاقة وثيقة بالكاميرا بين الشخصيات والمكان، اللجوء للصمت في لقطات كثيرة، استخدام الموسيقى المتنوعة التي تناسب الأجواء وتعلق على الحدث دون ان تشرحه، إنها حادثة اختطاف وقتل زعيم الحزب الديمقراطي المسيحي الدو مورو من قبل جماعة الألوية الحمراء اليسارية المتطرفة عام 1986،الذي لعب دور كبير من موقعه الكبير في قيادة حزب الديمقراطية المسيحية ومن خلال بصيرته الطبقية، ورؤيته لزحف رياح التغيير المتعددة الاتجاهات على قلعة الديمقراطية المسيحية التي نخرتها عوامل التعرية والتآكل.

في قبول التحالف مع الشيوعيين « كشر لابد منه «ليصبح بحق رجل الانفتاح على اليسار، إلا أن يوم 16 مارس كان موعد انعقاد البرلمان الايطالي ليعمد حكومة اندريوتي الجديدة وليتم التوقيع على « المساومة التاريخية» بين الحزبين الكبيرين وقبل ساعة واحدة فقط من «القداس» البرلماني انهمر الرصاص على الدو مورو، فقتل خمسة من حراسه، والبس هو طاقية الإخفاء فذاب بمعية «الألوية الحمراء» كما يذوب فص من الملح في الماء، وتساءل الشارع السياسي والجماهيري: أهي صدفة أم اتفاق أن تهب «الألوية الحمراء» لإغراق «مفتاح» الأزمة الخانقة التي تحرق البلاد.

حيث فتح الدو مورو آفاقا واقعية أفضل للشعب الايطالي. ومن هو المستفيد من إفشال هذا «التحالف» ولماذا كان الدو مورو مستهدفا بالأساس، وما هو دور اندريوتي في هذه العملية التي انتهت بعد 55 يوما بقتل هذا الرجل ولم يحرك اندريوتي ساكنا ولم يستجب لأحد بفتح قنوات الاتصال مع الألوية الحمراء من اجل إنقاذ هذا المنافس المزعج؟.

اعقبت هذا الحادث عام 1993 اغتيال القاضي جوفاني فالكونه من قبل عصابات المافيا في صقلية لتتناثر جثته ومرافقيه في الهواء بعد ان قام بكشف علاقات ساسة البلاد بعصابات الإجرام المنظم. يتطرق الفيلم إلى دور الاسقف الاميركي باول كازيمير مارجينكوس (من أصل بولندي) الذي كان يشغل منصب رئيس بنك الفاتيكان وكيف ساهم بتدبير مؤامرة قتل البابا الراحل جوفاني الأول(لوجانو) .

والذي شغل كرسي البابوية قبل البابا جوفاني الثاني مدة 33 يوما فقط، وكان مارجينكوس متهما بتمويل منظمة «التضامن» النقابية البولندية بمئات الملايين من الدولارات في نشاطاتها السابقة التي كانت تستهدف إسقاط الحزب الشيوعي البولندي، ومتهم أيضاً بدعم عدد من الجنرالات العسكريين الأرجنتينيين بالأموال أثناء حرب الفوكلاند مع انكلترا، كما كانت له علاقات وثيقة بكل من رئيس المجمع الماسوني ورجلي المصارف كالفي وسيدونا.

وسيدونا كان يمثل اكبر إمبراطورية مالية في ايطاليا خلال الستينات وأوائل السبعينات وكان إضافة إلى عضويته في الحزب الديمقراطي المسيحي عضوا في المحفل الماسوني واحد رموز تيار اندريوتي السياسي، وكان يعمل في الوقت نفسه وسيطا ما بين دولة الفاتيكان وتهريب العديد من الأموال إلى منظمة التضامن النقابية العمالية البولندية.

كما انه احد المسؤولين عن اغتيال المصرفي كالفي، فقد تم تسليمه إلى ايطاليا بعد ان لجأ إلى الولايات المتحدة. اغتيل بأمر من اندريوتي داخل سجنه المحصن بعد أن أبدى استعداده للاعتراف والكشف عن عدد من الفضائح أمام محكمة ميلانو عن ضلوع العديد من الشخصيات الكبيرة بالدولة والحزب في مجموعة كبيرة من الصفقات المشبوهة والمزورة، فلم يمهلوه طويلا فسارعوا لإسكات صوته،وعندما دخل عليه الحراس وسلموه وجبة الطعام داخل جناحه المحصن الذي تحيطه القضبان الحديدة والزجاج المانع للرصاص.

وبعد أن اجري فحص وجبة العشاء من قبل المشرفين كالعادة، دخل الحمام وطلب فنجان قهوة المساء، وبعد دقائق معدودة سمعت صرخاته(سمموني... سمموني) نقل على إثرها للمستشفى تحت حراسة مشددة وهو فاقد الوعي بفعل السم الذي كان مخلوطا مع القهوة، وبعد 52 ساعة فارق الحياة وبصحبته أسرار ومعلومات، وأغلق المحضر الطبي باسم مجهول، وكان اندريوتي يشغل حينها منصب رئيس وزراء ايطاليا.

تطرق الفيلم إلى قضية اغتيال نائب البرلمان نينو سالفو الذي كان مقربا من تيار اندريوتي وكانت له اتصالات مباشرة من اندريوتي، وقد وصفه أشهر التائبين من عصابة المافيا توماسو بوشيتا، بأن سالفو كان يمثل «ضابط الاتصال بين اندريوتي والمافيا في صقلية» فتمت تصفيته قبل لحظات من قرار المحكمة باستجوابه.

حياة اندريوتي العائلية، صمته الدائم، كآبته الدائمة، رغباته التي لم يفصح عنها لأقرب الناس له، برودة أعصابه، اعترافاته المبطنة أمام راعي الكنيسة في الحي الذي يسكنه، خطواته المتزنة وهو يترجل مشيا على الأقدام من داره وسط المدينة إلى الكنيسة صباح كل يوم وسط حراسة مشددة، علاقته بزوجته(قامت بالدور الممثلة الايطالية آنا بون أيوتي) التي تعترف أمامه بعد عمر طويل بأنها «لم تتوصل إلى معرفته ومعرفة خزائن أسرار عقله وقلبه»، كل ذلك يتوجه المخرج بمحاكمته أمام القضاة في بادئ الأمر بمدينة باليرمو عام 1995 والتي انتهت ببراءته من التهم الموجهة إليه بالتعاون مع عصابات الإجرام المنظم، بعد ان استمعت المحكمة إلى عشرات الشهود وأبرزهم 17 تائب من عرابي المافيا ورصد أكثر من ألفي صفحة ملأها محققو باليرمو بوقائع تدين المتهم الذي قال معقباً:

«لقد كنت دائما واثقا في العدالة وما زالت ثقتي مستمرة حتى اليوم ولكنني أجد صعوبة كبيرة في استيعاب مثل هذا السخف أما المحاكمة الثانية فكانت في مدينة بيرجوجا العاصمة الإقليمية لمقاطعة اومبريا، وهي تهمة قتل الصحفي مينو بيكوريللي عام 2002 حيث أصدرت محكمة استئناف مدينة بيروجا حكما بالسجن 24 سنة بعد مداولات استمرت 54 ساعة متواصلة، وبعد حملة الاستياء التي سادت البلاد من قبل رجال الديمقراطية المسيحية والقوى اليمينية والفاشية، تراجعت المحكمة لتصدر حكما ببراءته.

مخرج الفيلم جعل من فيلمه هذا قطعة فنية تهم المشاهدين في كل مكان وزمان، على الأخص شبيبة اليوم الذين لا يعرفون الكثير عن خفايا الماضي السياسي القريب لبلدهم، لقد حول هذا الفنان كل الأحداث والتفاصيل إلى لوحة بانورامية مليئة بالتفاصيل لوطنه وناسه، الصالح منهم والطالح، واعيا بالظروف التي تسوق الإنسان وتدفعه إلى اختياراته وأقداره.

لوحة بانورامية

ان هذا العمل السينمائي أصبح شهادة على عصر كامل، لاتعادلها عشرات الكتب التاريخية. كل شخصية تظهر في الفيلم يشار اليها بكتابة صغيرة باللون الاحمر على الجهة اليمنيى من الشاشة إلى اسمها ومركزها السياسي والحزبي. كما ان المخرج عمد إلى ادراج وقائع واحداث وثائقية دونها كتابة وبشكل متسلسل على الشاشة بمثابة افتتاحية ونهاية للفيلم.

موسى الخميسي