ينتمي إدريس شرايبي إلى الرعيل الأول من الكتاب المغاربة الأفذاذ الذين أبدعوا باللغة الفرنسية وعبروا فيها عن معاناتهم وتطلعاتهم

هاتف جنابي كان أدريس شرايبي كاتبا نبها موهوبا ومتواضعا- من النوع الذي لا يحب الأضواء، ولولا ابتعاده عن وسائل الإعلام لكان اسمه أكثر انتشارا.

ينتمي شرايبي إلى الرعيل الأول من الكتاب المغاربة الأفذاذ الذين أبدعوا باللغة الفرنسية وعبروا فيها عن معاناتهم وتطلعاتهم، عن حياتهم الخاصة وحياة جيلهم، وعن الروح الحية لثقافتهم المغربية، محافظا على أصالة تقاليدها وطيبة أهلها وتسامحهم، إضافة إلى تناوله لما يعرف بصراع الأجيال والتطلعات وتصادم الإرادات، وما ينجم عن ذلك من تجاذب بين جيل الآباء المحافظ وأبنائهم، بين المحافظة على التقاليد والانفتاح على الجديد- وعلى الآخر. إنه صراع بين الأجيال، وبين تقاليد وثقافات مختلفة.تعتبر «الماضي البسيط» (1954) من بين أكثر روايات شرايبي شهرة على الصعيد الفرنسي. صدرت قبل استقلال المغرب بسنتين على ما يبدو. وُصِفتْ حينها بالطزاجة والجدة. سبق شرايبي غيره من كتاب المغرب العربي في طرح موضوع الاختلاف والهوية والهجرة وصراع الأجيال! صدرت هذه الرواية بالعربية بعنوان مغاير نوعا ما: «بوابة الماضي» 1986، ترجمها من الفرنسية التونسي محمد عجيبة. من المؤسف حقا، أن صدورها بالعربية قد تأخر ثلاثين سنة!

سمع القارئ البولندي المتابع باسم إدريس شرايبي لأول مرة، في العام 1987، بفضل فصلية «الأدب في العالم «التي تصدر حتى يومنا هذا باللغة البولندية. لقد أصدرت هذه المجلة ملفا عن الأدب المغاربي، كان اسم شرايبي من بين الأسماء التي ضمها عددها السابع/ تموز 1987. نشرت المجلة المذكورة مقاطع من رواية «أم الربيع» قام بترجمتها السيد فويتشيخ غيلَفْسكي.

وكاد ذلك الجيل كاملا وما تلاه أن ينسى شرايبي لولا الجهود الاستثنائية التي بذلها ابن بلدته «الجديدة» وبلده الأم «المغرب» الدكتور رضوان أبو هلال. في حديث لإحدى الصحف البولندية، ذكر المترجم: «أردتُ أن أكسرَ الفكرة التقليدية السيئة السائدة وسط البولنديين عن العرب، وأقدم الثقافة العربية والمغربية من أفضل جوانبها». أبو هلال المولع بالثقافة، أراد جاهدا أن يقدم شيئا لبلاده ولثقافتها العريقة، ولإدريس شرايبي الذي التقاه وراسله.

قام بترجمة «الحضارة، أماه» بمساعدة الأديبة البولندية (مارتا تسفينسكا)، وقامت دار (إمبير - IMBIR ) في وارسو، بنشر الرواية كاملة بعنوان «استيقظي،أماه!»، لتكون الأولى في سلسلة جديدة اسمها «التصادم» تنوي الدار إصدارها لاحقا. وبغض النظر عن مغزى السلسلة، إلا أن للشرايبي الفخر في افتتاحها! يختلف العنوان باللغة البولندية عن الأصل، لكنه جاء أجمل وأسلس من الترجمة الحرفية.

تبدأ الرواية باقتباس، مستل من كتاب «المجتمع الديناميّ» للمؤلف (لَسْترْ ورد) ساقه شرايبي:

«حقا، أن الإنسان سيسيطر على الكون، لكنه لن يسيطر على نفسه أبدا؟». يعقبها على الصفحة التالية، إهداء كتبه شرايبي: إلى زويتن- أمي، وشينة أختي، وصديقي فرنسيس أنطوان».

تتألف الرواية من قسمين رئيسين هما: أن تكون، وأن تملك. رواية مليئة بالدفء والدعابة تجري أحداثها المركزية عبر ولدين وعلاقتهما بأمهما القروية غير المتعلمة التي تساق للزواج من رجل أعمال مغربي ميسور الحال، وهي في ريعان شبابها. هكذا شاءت لها التقاليد والأعراف والأقدار. الرواية لا تعكس المواجهة ما بين سنوات الثلاثينيات والأربعينيات من القرن المنصرم وحسب، إنما هي محاولة من الجيل الجديد (متمثلا بجيل الأبناء) لإيقاظ الطاقة الإنسانية والحياتية الكامنة داخل هذه المرأة البسيطة- الأم ذات الطبيعة المحافظة. بمرور الوقت تصبح أعمالها وشجاعتها مثار إعجاب عائلتها ومحيطها.

إنها يقظة أمّ وعائلة وجيل! كما أنها مثال حيّ على إمكانية التحول من حالة ثابتة إلى أخرى حية، خلاقة، قابلة للعطاء والتجدد والعيش الكريم. تنتهي الرواية (في نسختها البولندية) بالعبارة التالية: «يا إلهي، كيف كانت ابتسامتها ناصعة تلك التي تسربت عبر الكوة وعمّت البحر اللامحدود»، مذيلةً بتاريخ ومكان كتابتها: 7 فيفري 1972.

مبدعون عرب إلى البولندية

تشهد اللغة البولندية حركة ناشطة في ترجمة أعمال معظم الكتاب والمبدعين العرب وفي مقدمتهم بعض كتابات نجيب محفوظ،، توفيق الحكيم، يوسف إدريس، جمال الغيطاني، صلاح عبد الصبور، أحمد عبد المعطي حجازي، أمل دنقل، محمد عفيفي مطر، علاء الأسواني (مصر)؛ وأدونيس، نزار قباني، محمد الماغوط، وعلي الجندي، زكريا تامر، سعد الله ونوس (سوريا).

وجبران خليل جبران، خليل حاوي، أمين معلوف، غادة السمان، أنسي الحاج، يوسف حبشي الأشقر، وجمانة حداد (لبنان)؛ وفدوى طوقان، محمود درويش، سميح القاسم، أميل حبيبي، غسان كنفاني، شوقي العمري، وتيسير مشارقة (فلسطين)؛ وبدر شاكر السياب، عبد الوهاب البياتي، حسب الشيخ جعفر، سامي مهدي، طه ياسين حافظ،، عبد الرحمن مجيد الربيعي، فؤاد التكرلي، سعدي يوسف، سركون بولص، شيركو بيه كس، وهاتف جنابي (العراق)، وكتاب عرب آخرون من قبيل: الطيب صالح، محمد الفيتوري، عبد الرحمن منيف، عبد العزيز المقالح، ليلى العثمان، أمجد ناصر، سيف الرحبي، وسواهم.

ومن المغرب العربي، نذكر: محمد ديب، ياسمينة خضرا، إبراهيم الكوني، عز الدين المدني، ألبرت ميممي،، آسيا جبار، رشيد بوجدرة، رشيد ميموني، كاتب ياسين، جان سيناك، جمال الدين بن الشيخ، الطاهر وطار، المنصف الوهايبي، محمد الغزي، وآخرون. ومن الكتاب المغاربة، نذكر عبد الله العروي، محمد خير الدين، عبد اللطيف اللعبي، الطاهر بن جلون، محمد بنيس، وإدريس شرايبي. وثمة كتاب مطبوع عن تاريخ المغرب.

الحظ والمصادفة

أن بعض الكتاب العرب أخذت تصل أصواتهم إلى القارئ غير العربي، في السنوات الأخيرة، بفضل جهود شخصية، لعل من بين أكثرها ظهورا للعيان ما حصل بفضل بعض المستشرقين من جهة، وعلاقات هؤلاء الكتاب المباشرة بالأوساط الثقافية غير العربية من جهة أخرى. وقد يكون للحظ والصدفة دور كذلك يبرز في هذا المقام دور الكتاب الذين كتبوا بلغات أخرى، يقف الكتاب الفرانكوفونيون في مقدمتهم ، وهذا أدريس شرايبي واحد من هؤلا الادباء الذين شاع صيتهم في بلاد بعيدة بينما لم يعرفه جيدا أهله وأبناء وطنه الكبير.

المؤلف في سطور

* وُلد إدريس شرايبي في 15 يونيو 1926 في مدينة «الجديدة» المطلة على المحيط الأطلسي، وتوفي في فرنسا في الأول من سبتمبر 2007.

* في العام 1945 قرر الرحيل إلى فرنسا. عمل في الراديو الفرنسي لفترة، وتفرغ للكتابة في سنواته الأخيرة.

* كاتب عصامي، يعتز بمغربيته ويحرص على لغته المتبناة- الفرنسية- ونظرا لفضائله على اللغة الفرنسية فقد سمي باسمه- بعد موته- شارع في مدينة «Crest» الفرنسية.

* من مؤلفاته الروائية: «التيوس» (1955)، والحشد» (1961)، و«الحضارة، أمّاه» (1972)، و«موت في كندا» (1975)، و«استطلاع في البلد» (1981)، و«أم الربيع» (1982) بالإضافة إلى عناوين أخرى من ضمنها مجموعة قصص قصيرة، و«العالم جانبا»، و«رأيتُ، قرأتُ، سمعت».