أبو صقر.. المعلم وصل
رجال أشداء.. الحزم والصرامة يلمعان في عيونهم.. يترقبون إشارة من أبي صقر.. فتنتشر الرهبة في الجهات.. يدير اللعبة بإتقان كمايسترو محترف.
هيبته تجاوزت آفاق الحي الغربي.. بات الرجل الذي يخطب وده ويتقى شره في آن واحد.
محرس قديم.. باب موصد بإحكام.. قفل ومفتاح متعانقان.. تتدلى منهما ميدالية عتيقة.. تحتضن صورة غالية.. حظي بها منذ بداية اللعبة.. فيض من أسى جعل عينيه المتورمتين تتعلقان بطيف الذكريات التي تشع بها صورة الغالي.. لعلها تمنحه قدراً يسيراً من الأمان.
الهزيع الأخير من الليل.. صفير الرياح يتسرب من الثقوب الخفية.. زخات خفيفة من المطر تنقر سطح المحرس.. يشرع خوف مرير بالتنامي في أعماقه.. بات يسكنه.. ماذا يفعل المرء حين تستظل طمأنينته بفيء من الأوهام المرتجفة.. ما أوجع أن تغدو أحلامه وساوس تطارده كأشباح برية.. على نحو غدا بصره قاصراً ضعيفاً.. لا يملك الجرأة.. يكاد مداه لا يتعدى ظل الأشياء حوله.
نُباحٌ جائع يحوم حول المحرس.. يخربش على بابه.. يتوسل فضلات تعوّد عليها.
مدفأة صغيرة.. نارٌ تزأر في أحشائها.. يتدفق وهجها.. شتات من الضوء يزحف في الأرجاء.. وقع أقدام تدنو من المحرس.. يتشاغل عنها.. تتسارع الحركة.. يستولي عليه نوع من فزع.. هزيج الموقد يتصاعد.. المدفأة تستحيل لهيباً.. يشتد.. يتراقص قبالته.. يتمايل
بضجر.. ترتسم خيالات عابثة.. يتكاثف القلق.. تبتعد الحركة.. تهدأ.. تخفت.. يتبدد صداها.
فجأة.. ينفرج الباب.. يتجمد بصره من رهبة.. يطرق خياله صوت صديقه القديم.. فيهتف مستغيثاً:
أنت ملاك هبطت من السماء.
لا.. أنا أبو درغام.. قادم من مقبرة العظماء.
المهم جئت في وقتك.. حدثني.. ما أخبار المعلم؟
لم أعد أراه.
ماذا؟.. أتود القول إنك تعمل هناك لدى معلم ثان؟
لا ثان ولا ثالث.. هناك لا يوجد سيارات.. وأنا كما تعلم لم أتقن في حياتي سوى قيادة السيارات.
غريب.. ما الذي تفعله إذن؟
لا شيء.. أنا مرتاح.. غدوت ملك نفسي.
مم.. كلام عجيب.. كيف طاب لك العيش دون معلم؟
هه هه.. حياتنا غير حياتكم.. أستمتع بها بمزاجي.. ولكن قل لي: أنت ماذا تفعل هنا؟
أقوم بواجبي.
أي واجب؟
حراسة بيت المعلم.
هاها.. عن أي معلم تتكلم؟
سامحك الله.. هل نسيته؟.. أنت تعرف قبل الآخرين.. طيلة حياتي لم أخدم سوى سيادته.
ما بك يا أبا صقر.. يبدو لي أمرك عجيباً.. ألم نغادر هذه الدنيا أنا والمعلم معاً حين صدمتنا شاحنة كبيرة.
صحيح.. إن ذاك اليوم المشؤوم لم يغب عن بالي لحظة واحدة.
حسناً.. إذن نحن متفقان.. والمعلم الله يرحمه.. الآن أكرر سؤالي: أنت ماذا تفعل هنا بعد رحيله بعشر سنوات؟
لا حول ولا قوة إلا بالله.
ما بك.. أتراني نطقت كفراً أم بلهاً.
يا أخي.. هل أصابك الخرف.. كم مرة سأعيد الكلام نفسه.. أقوم بحراسة بيت المعلم.
أبو صقر.. جننتني.. هل فرزوك لتحرس المعلم أم بيته؟
الاثنان.
ها.. الآن بدأت أفهم.
يا أبا درغام.. يا حبيبي.. إن معلمنا رحمة الله عليه كان أحد الأشخاص المخلصين.. والمصلحة العليا لا تتخلى عن أبنائها البررة بهذه السهولة التي قد يتخيلها ساذجٌ مثلك.
لا تؤاخذني يا صديقي.. فأنا لا أملك القدرة على ربط الأمور مثلك.. « أنا وين..
وأنت وين»®. أنت رئيس مفرزة فهيم.. وأنا سائق على قدي بسيط.
أخيراً.. فهمت علي.
طيب.. ما أخبار السيدة زوجة المعلم والمحروسين ولديه؟
نعم..! زوجة المعلم..! نعم.. ولداه..! نعم نعم.
شو نعم نعم.. ماذا عنهم؟
أخي بصراحة.. لا أعرف شيئاً.
لا تعرف شيئاً..! ألست مسؤولاً عن حراستهم وتلبية طلباتهم..؟ ألم تقل إن المصلحة قد أبقتك هنا لخدمتهم..؟ فكيف تقول : لا أعرف شيئاً عنهم؟
طول بالك.. دعني أشرح لك.
«هات لأشوف».
ولداه الغاليان سافرا لمتابعة دراستهما في أميركا بعد رحيله بسنوات قليلة.. ولم يعودا.. ولا تسألني لماذا؟.. لأنني لا أعرف.
طيب.. والسيدة والدتهما.
دأبت على زيارتهما بين حين وآخر.. صارت تمضي نصف الوقت هنا والباقي هناك.. بت أنتظرها بفارغ الصبر.. على أنها في المرة الأخيرة قبل ثلاث سنوات.. ذهبت هي الأخرى ولم تعد.. مع أنها لم تصرح بذلك.. ولكني أذكر أنها وهبتني حينها مبلغاً ضخماً من المال.. وهمست في أذني كلماتٍ فيها قدرٌ كبير من الرقة والحنان.
ها ها.. يعني بوسعنا القول إن منزل المعلم بات مهجوراً.. وتصفق فيه الريح صفقاً.. إذن دعني أكرر السؤال: أنت ماذا تفعل هنا؟ وماذا عن الآخرين؟
هنا المشكلة.. لقد أصبحت وحيداً.
أتود إعلامي بأن أبا صقر بعد أن كان مسؤولاً عن مفرزة تضم عشرات الرجال الأشداء.. بات وحيداً.
آخ يا أبا درغام.
سلامتك من الآخ يا صديقي.
آنذاك خيروني.. ولكني فضلت البقاء هنا.. وفاءً للمعلم.
أتعني أنك تخدم هنا بمفردك.
لا يا أخي.. لقد وضعوا في خدمتي عمك أبا ثائر واثنين آخرين.
ها.. الآن فهمت قصدك.. أنت مسؤول عن وردية الليل.. والآخرون يغطون ساعات النهار.
يا أبا درغام.. أرجوك.. حاول أن تركز قليلاً.. لم يعد هناك آخرون.
والله حيرتني.
أخي.. دعني أكمل.. ما إن مضت سنتان على رحيل المعلم حتى نقل العنصران إلى خدمة أخرى واحدا تلو الآخر.
وماذا عن العم أبي ثائر؟
بلغ الستين.. انتهت صلاحيته.. فأحيل إلى التقاعد منذ خمس سنوات.
طيب.. لِمَ لم تطلب بديلاً عنهم؟
مِمَّن سأطلب؟
من المعلم الجديد.
لقد تغيرت الحال وتبدل المعلمون أكثر من مرة.
والذين تحته.
لم أعد أعرف أحداً منهم.
صحيح.. قصتك غريبة.. طيب الآن من الشخص المسؤول عنك؟
لا أعرف.
كيف لا تعرف؟
صدقني لا أعرف.
أليس هناك تعليمات.. أوامر.. ألا تذهب إلى الفرع؟
بلى..أزوره في اليوم الأول من كل شهر.. أصل باكراً.. أقبض راتبي.. وأختفي فوراً.
لماذا؟
الخوف.. أشعر بالخوف يا صديقي.
ها ها.. أبو صقر الذي كان يثير الفزع ويوزع الرعب.. بات يشعر بالخوف.. حقاً إنها
آخر الدنيا.
نعم.. أعترف.. غدت حياتي مليئة بالخوف.. في كل لحظة أتوقع افتضاح أمري.. هنا أتحاشى نظرات أهالي الحي كيلا أتعرى أمامهم.. في المنزل أتهرب من تساؤلات أسرتي لئلا أفقد وقاري وهيبتي.. أما الفرع فهو الطامة الكبرى.. من المسؤول عن حالتي هذه.. لا أدري.. إلى من سأشكو همي ومصيبتي.. لا أدري.. في أغلب الظن أعتقد أنني أصبحت في عداد المنسيين.. هل تغيرت الحال إلى الدرجة التي لم يعد لهم معها حاجة لأمثالي.
كنت رجلاً يثير الدهشة والرعب.. فيغزو الخوف الجهات كلها.. صرت كائناً يثير الشفقة والحسرة.. حتى سيارات أهالي الحي لم أعد أجرؤ على منعها من الاقتراب من بوابة ملعبي القديم.. ولِمَ أمنعها.. لم يعد هناك سيارات للمعلم.. المعلم نفسه لم يعد موجوداً.. أتحول وفائي له كابوساً وعقوبة أبدية..؟ أقبع متوارياً في محبسي.. أنتظر بزوغ الفجر.. كي أهرب مع أول خيوطه.. بت أخشى تخطي عتبة غرفة محاسب الفرع.. كي لا أسأل : ماذا تفعل؟
ومع هذا كله رضيت بما أنا فيه.. قانعاً بحالي.. أسيح مع ذكرياتي.
والآن من أية هاوية جئت يا أبا درغام.. تلح علي.. تكرر السؤال مرات ومرات.. ماذا تفعل هنا؟.. ماذا تفعل هنا؟ وكأنك تمعن في غرز السكين في جسدي المهشم
المرتعش.
سويعات الصباح الندية تتدحرج.. الغيوم الشاحبة تتنحى.. سلاسل ذهبية تتبدى.. تتسلل.
محرس قديم.. باب موصد بإحكام.. قفل ومفتاح متعانقان.. تتدلى منهما ميدالية عتيقة. تحتضن صورة غالية.
مدفأة صغيرة.. نارٌ تزأر في أحشائها.. يتدفق وهجها.. يزحف في الأرجاء.
الدفء الذهبي المتسلل واللهيب المتدفق يلتحمان.. يبحثان عن مأويً لمعان تائهة.. يرتميان فوق جسد مسجيً.. يلعقانه بحنو دونما جدوى.. بينما كانت الميدالية الغالية تشهد نهاية اللعبة.
في حين ما يزال نباحٌ جائعٌ يحوم حول المحرس.. يخربش على بابه بأسى وحيرة.. لأول مرة منذ أمد بعيد يستقبل الصباح وحيداً بلا فضلات معلمه.
الكاتب في سطور
إياد جميل محفوظ كاتب و قاص سوري ولد في حلب في 12 مايو 1956، صدرت له خمس مجموعات قصصية :
(أحلام الهجرة العكسية ـ دار البارودي / بيروت 2004، بين فراغين ـ دار البارودي / بيروت 2005، سياحة شرقية ـ دار القلم العربي / حلب 2006، ينابيع الحياة ـ دار نون 4 / حلب 2007،إيقاعات الروح المنسية، إيقاعات الروح المنسية).
يعمل في حقل الهندسة المدنية في مدينة العين (الإمارات)
بزوغ الفجر
كنت رجلاً يثير الدهشة والرعب.. فيغزو الخوف الجهات كلها.. صرت كائناً يثير الشفقة والحسرة.. حتى سيارات أهالي الحي لم أعد أجرؤ على منعها من الاقتراب من بوابة ملعبي القديم.. ولِمَ أمنعها.. لم يعد هناك سيارات للمعلم.. المعلم نفسه لم يعد موجوداً.. أتحول وفائي له كابوساً وعقوبة أبدية..؟ أقبع متوارياً في محبسي.. أنتظر بزوغ الفجر.. كي أهرب مع أول خيوطه.. بت أخشى تخطي عتبة غرفة محاسب الفرع.. كي لا أسأل : ماذا تفعل؟
