تعذيب الأسرى العرب من المشاهد التي لم تختف في الروايات العبرية، وفي الأعمال التي تناولت الحرب منذ 1948م حتى ما بعد 1973م. وقد أقر أحدهم أنه كتبها في روايته من واقع ما شاهده بعينيه فعلاً وعلى أرض الواقع.
منذ أوائل الهجمة الاستيطانية مع بدايات القرن العشرين، وحتى بعد عقد اتفاقية السلام مع مصر.. يلاحظ المتابع والقارئ للإبداع العبري في التجربة الحربية، ان أدب الحرب العبري يعتني أكثر كثيرا بإبراز الرؤية والمفاهيم للمحارب العبري، دون النظر والتعامل مع رؤية ومفاهيم الآخر المحارب (العربي/الفلسطيني). مرت فترة لم يشأ الكاتب العبري أن يرى «العربي»، وكأنه يصارع وهما في الصحراء، أو سرابا.. وان بدت شخصية «العربي» في بعض تلك الأعمال، ويمكن أن يكون قابلا للوصف والعرض والتعامل، فلأنه أسير أو مطرود أو تحت القيد المعنوي، مسلوب الإرادة. لعل أغلب تجارب الحرب التي رصدها الأدب العبري، هي تجربتا «الأسر» و«الطرد أو التهجير».(ولا تذكر كلمة «فلسطين» أو «الفلسطينيين» تحديدا على الإطلاق في كل تلك الأعمال).
وتبقى الظاهرة، على تعدد الكتاب العبرينيين، وعلى تعدد توجهات الأدب العبري، على مدار السنوات: ما قبل عام 48 وما بعدها. وهو ما يثير من الأسئلة أكثر مما يجيب، حتى بعد الإشارة إلى مصطلح «ما بعد الصهيونية». لقد اعترف الكثير من مفكريهم أنه مصطلح مازال غامضا، وان حمل في طياته التعبير عن تجاوز أفكار الصهيونية، والرغبة في التعامل مع الواقع المعاش.
والتي أفرزت «حركة الدعوة إلى السلام»، كما عبر البعض عن البحث إجابة جديدة حول أسئلة «الهوية» و«البحث عن الذات» من جديد.. وهي نفسها الأسئلة التي طرحها المبدع العبري في بداية الهجرات المعاصرة، وان كانت برؤية صهيونية، بينما في الأعمال الأخيرة برؤية وجودية فلسفية.
فالقراءة في أدب الحرب العبري كشفت عن مجمل الأفكار الصهيونية، والتوراتية، أكثر كثيرا من أن تكشف عن تجاوز مثالب التجربة الحربية، ودمار الحروب، أو رؤية الآخر العربي.
ثم كانت مرحلة تالية، سجل فيها البعض رفضه للحروب، إلا أن عاد وأكد أنه «لا حيلة» إذا وقعت، يدخلونها بكل شراسة، ومتحملين كل تبعيتها.. وكأنهم لم يعتد يوما، ولم يبدأوا بالعدوان البتة؟
حاول بعض الباحثين العثور على إجابة لأسئلة الحرب والسلام بين إسرائيل والعرب (داخل فلسطين وخارجها). وكان بحث «د.فايز صلاح أبوشمالة» الذي صدر في كتابه: «الحرب والسلام في الشعر العبري والعربي على أرض فلسطين»®. حيث حاول البحث عن آفاق «السلام» من خلال الشعر، وذلك بالاستعانة بشعراء من العبرينيين والعرب (70 شاعرا يهوديا وخمسين شاعرا فلسطينيا)، تناولت فصول الكتاب أهمية الأرض لكلا الشعبين.. دراسة الظواهر النفسية في الشعر.. مقومات السلام واشتراطاته.. ما يتصوره كل طرف عن الآخر. انتهى الباحث إلى مجموعة من النتائج:
«أن جوهر الصراع هو صراع عقائدي.. أن التعاليم اليهودية كعقيدة، صارت أيديولوجية ومنهاج حياة.. أن لفظة «السلام» التي تتردد كثيرا عند اليهود المتعصبين، لا تعني السلام مع العرب أو استخلاص الحقوق، بل سلام الطائفة التي تخصهم.. هناك فئة في العلمانيين اليهود يقبلون السلام مع العرب.. الشعر الفلسطيني لم يهادن في موضوع الأرض.. أن حالة التفكك المفروضة على المجتمع الفلسطيني، لم تنل من معطياته الشعرية في الحفاظ على الثوابت.. يعد الشعر الفلسطيني ممثلا شرعيا للوجدان الفلسطيني الصامد.. التشكي والتذمر واضحان في الأشعار اليهودية.. الله وحده يعلم إلى أين سينتهي الصراع». أما وقد مر الصراع بعدد من المظاهر والظواهر والنتائج المتنوعة، منذ نهاية معارك أكتوبر1973م، وهو ما عبر عنه الإبداع العبري. نتوقف أمام رؤية الآخر العبري بعد اتفاقية السلام، مع مصر.
لم تسجل سوى قصة قصيرة واحدة، تناولتها بالعرض مجلة «أريئيل» الصادرة عن قسم العلاقات الثقافية والعلمية بوزارة الخارجية الإسرائيلية، ضمن معالجتها لموضوع بعنوان «مصر في الأدب العبري في الأجيال الأخيرة» (نسخة مترجمة إلى العربية). وهي قصة «دافيد أوغست» ضمن مجموعة قصص «أرض بعيدة» للقاص «إسحاق بارنير»، نشرت عام 1981م.
«تقع أحداث القصة في السابع من فبراير عام 1978م، مكانها مدينة القاهرة. سجل الكاتب تاريخ الانتهاء من قصته في أكتوبر 1979م»
تتضمن عناصر غامضة على خلفية خصام أو خلاف بين صحافيين، بإحدى الصحف في إسرائيل.. ثم أوفدتهما الصحيفة إلى القاهرة اثر توقيع اتفاقية السلام.
يغار أحدهما «ديفيد» من الثاني «هاردوف» لتفوقه عليه في العمل الصحافي. يتضح أن «هاردوف» سلبه في الماضي زوجته «صفرير» التي ماتت في النهاية نتيجة المعاناة من مرض السرطان.
وفي القاهرة، يتضح لـ «ديفيد» في نهاية القصة أن «هاردوف» أيضا مصاب بالسرطان. فكان المرض سببا للالتقاء مع زوجته عند طبيبيهما المشترك، فكان حبهما حب مريضين يدركان أن نهايتهما قريبة. وهو نفسه (المرض) الذي يميزهما عن الأخريين. لكن قبل أن يعرف «ديفيد» هذا السر يشعر بالحاجة إلى الانتقام من «هاردوف» خصمه وسالب زوجته، إلى حد الرغبة في التخلص منه، والانتقام لكرامته، وراودته فكرة قتل زميله الصحافي.
رمزية الصراع
تتساءل «المجلة» تعقيبا بعد القصة.. إذا ما كان الصراع بين الرجلين يرمز إلى الصراع بين مصر وإسرائيل، تعود وتؤكد أنه يبدو كذلك، نظرا لمكان القصة والأجواء التي دارت فيها.. إلا أنها تسجل أنها القصة الوحيدة التي كتبت على خلفية تلك الاتفاقية.
لم تخل القصة من النظرة النقدية/العدائية، وعن عمد، من تلك اللقطات التي توحي بأن شوارع القاهرة، والمصريين.. يتسمون بالفوضى وعدم الالتزام، وربما بالقبح.
شواهد
تبقى أهمية الإطلاع على الدراسات المتخصصة في الأدب العبري أثناء وبعد الانتفاضة، والتي تعد مرتكزا جديدا من مرتكزات التجربة الحربية وأثرها على الأدب هناك.
يقول د.عبدالوهاب محمد الجبوري، أنه منذ اندلاع الانتفاضة، استسلم الأدب العبري وكتابه لسبات عميق(عن أضواء يونس(ترجمات) اتحاد الكتاب الفلسطينيين، القدس، 1997، ص3).
وتطلب الأمر انقضاء فترة طويلة حتى يقرر عدد من الأدباء والكتّاب الإسرائيليين (أمثال عاموس عوز وابراهام يهوشع ) الخروج عن صمتهم السلبي. هكذا كان حال المجموعة الإسرائيلية المثقفة التي توجهت للتضامن، في مطلع من عام 2002، إلى عدد من القرى الفلسطينية في منطقة نابلس للمساعدة في قطف الزيتون بعد ان أصبحت حياة الفلسطينيين جحيما لا يطاق(3)(صحيفة بديعوت أحرونوت) (في11ـ 12ـ 20021)، هذا الانقلاب والتغيير في الأدب العبري هو، من دون شك، تعبير عن جدلية الحياة الثقافية والاجتماعية في إسرائيل(1)(المصدر السابق)..
هذه الجدلية هي نتاج حالة الحرب والعنف الدائمة التي يعيشها الأديب العبري وما تفرزه من انعكاسات متباينة التأثير والنتائج على المجتمع الإسرائيلي. تعامل الأدب العبري مع الانتفاضة بنوع من الارتباك والحيرة، (المصدر السابق). وهذه وقفه مع عمل روائي عبر عن وجهة النظر العبرية تجاه الانتفاضة الفلسطينية.
نتوقف هنا مع عمل روائي يعبر عن وجهة النظر العبرية تجاه الانتفاضة الفلسطينية في رواية «الحرب تحت الرجال» حيث يستدعى جندي احتياط في الجيش الإسرائيلي، ويصبح في مواجهة المشكلة على أرض الواقع، وليس كما كان في حديث المقهى وجلسات السمر.. مع واقع الصراع مع العناصر الفلسطينية التي تقاوم، واتضح له أنه قد يدفع حياته ثمنا لهذا الواقع.
وتراوده (وهو الراوي والروائي نفسه) فكرتين.. الأولى أن يبدي إخلاصه للمهمة والثانية التعامل مع قصة الإنسان الفلسطيني، وهي الحالات والتجارب اليومية معهم.. مع البحث في أبعاد كل الشخصيات التي يتعامل معها ويحللها ويبحث في تاريخها وأحوالها. لذا جاءت شخصياته هنا لتعاني وتتخبط وتعمها الأحاسيس دونما افتعال أو دونما قصد معين من القاص(3).
بين السلطة التي تحاول تثبيت ما حققته بقوة السلاح لجعله أمرا واقعيا أبديا وبين المعارك المدربين على القتال وعلى الاستجابة لما تفرضه عليهم ما يسمونها بمتطلبات الأمن، وبين الشبان الذين ارتدوا منذ فترة ليست بعيدة بدلتهم العسكرية في الخدمة الإجبارية، ويصادفون لأول مرة وبصورة ملموسة، مشاكل كان وجودها بالنسبة لهم يشكل نوعا من القصص وليس امرأ واقعا(1).
الأمر الثاني: هو قصة الإنسان اليهودي خلال الصراع الاستنزافي للحرب اليومية مع الفدائيين الفلسطينيين وإبطال الانتفاضة وإماطة اللثام عن دفينة نفسه المتعبة من القتال والتعبير عن شوقه إلى الراحة من الدماء، وتتم المواجهة في الرواية بين المحنكين ورجال الاحتياط، وبين رجال الخدمة الإجبارية للشبان بواسطة البطل القاص، الذي هو المؤلف نفسه، من خلال علاقاته بآمر السرية التي وضعت تحت إمرته(2).
والقاص هنا يسبح في بركة واسعة لا تخفي مياهها له أية مفاجآت تقريبا، وخاصة بالنسبة لمرافقته جنود الاحتياط، انه يطرح خليطا من الشخصيات ويصفها ويحللها ويتابع سيرتها حتى النهاية، والقاص هنا ليس في حاجة تقريبا إلى الخيال، لأن واقع الحياة في إسرائيل خلال السنوات الأخيرة يزوده بمادة طازجة ودسمة لقصة هذه الحرب اليومية.
ومع ان طبيعة الأمور تقتضي من الأديب إن لا يكون في صف العدوان والظلم على حساب الشعوب الأخرى وقمع الحريات الإنسانية، إلا إن الأديب العبري، المتشبع بالفكر الصهيوني، لم يتخذ مثل هذا الموقف، بل حسم أمره في كثير من الأحداث، لصالح تأييد العدوان والاحتلال والاستيطان وأسهم بأناشيده وكتاباته الحربية وتزييفه للحقائق في تكريس الاستيطان والاحتلال(1).
والأمر الاخر الذي يسعى الأدب العبري إلى تحقيقه هو ان الشخصية اليهودية ستظل بحاجة إلى الشخصية القوية التي تخزن في داخلها كل مقومات العنف والقسوة والتي ترى فيها الدرع الوحيدة التي تثق فيه وتثق في قدراتها على الدفاع عن الوجود اليهودي الاستيطاني في كل مراحل» (صدرت الرواية عن دار بيتان أنظر د.رشاد الشامي «عجز النصر..» )
ملامح عامة لأدب الحرب العبري
1 ـ «أدب الحرب» هو الأدب المعبر عن التجربة الحربية، قبل وأثناء وبعد المعارك، وفي إطار هذا المعنى يصعب على الباحث التأكيد بوجود «أدب حرب عبري»، اللهم من بعض المشاهد المنثورة بين أرجاء بعض الأعمال الإبداعية. فقد جاءت «الحرب» توطئة لمقولات أيديولوجية، كما لم تبرز الحرب كحدث أساسي وفاعل في أحداث تلك الأعمال، إلا بقدر احتياج المبدع لإبراز رؤيته الأيديولوجية.
2 ـ سرعان ما عبر الشعر العبري عن صدمة معارك أكتوبر73، وهو الشعر دائما يتقدم أشكال التعبير، ثم تجيء القليل من القصص القصيرة والروايات، حتى ان «د.أشرف الشرقاوي» في دراسة له، حصرها في ثماني روايات فقط، وقد تزيد قليلا على كل حال.
3ـ لم يكن «العربي» سواء في الأعمال التي تناولت الجبهة المصرية والسورية في معارك 73م، سواء خلفية للحدث المروي على لسان الشخصية العبرية (في القص).. أو مخاطب على البعد (كما في الشعر).
4 ـ غالبا ما تناولت الأعمال النثرية، موضوع البحث عن الأسباب، أو البحث في حل للأزمة التي فاجأت الجميع.. حتى قال أحدهم: «انتصرنا في 48 و56 و67، ولكن ما حدث في 73م يهدد انجاز ما فات، ويقودنا إلى مستقبل غامض» . تلاحظ أن أكثر من رواية تناولت حرب 73م، وكأنها حرب أخرى غير التي نعرف، وتخيل وصول العرب إلى «تل أبيت» والانتقام من سكانها من جراء ما اقترفته أياديهم من قبل في سكان فلسطين، وجنود الجيوش العربية المحاربة من قبل.
5 ـ عدد من تلك الأعمال لم تكن «الجبهة» حيث المعارك والصراع، هي المكان الدال على المعاني والدلالات التي يريدها الكاتب. مرة يشير أحدهم للجبهة ويتناولها من الخارج، لتبرير فكرة «إزاحة العرب عن الأرض وفلسطين» بالرغم من كل شيء (أعني الهزيمة العسكرية للإسرائيليين).. ومرة تجيء الإشارات إلى الحرب والمعارك للتأكيد على أنه أبدا لن تكون أرض فلسطين ملاذا للعرب الفلسطينيين.
6ـ جاءت الأعمال القريبة من الأعمال الذهنية، من خلال البحث عن أسئلة الوجود، وهو ما يعبر عن حجم الأزمة النفسية التي تعرضوا لها بعد المعارك.
7ـ يعد تعذيب الأسرى العرب، من المشاهد التي لم تختف في الروايات العبرية، وفي الأعمال التي تناولت الحرب منذ 48م حتى ما بعد 73م. وقد أقر أحدهم أنه كتبها في روايته من واقع ما شاهده بعينيه فعلا وعلى أرض الواقع.
8ـ إن بدت الأعمال الأدبية قبل 73م حريصة على إخفاء «العربي» ، بدت الأعمال بعد 73م أشبه بمحاولة لجلد الذات الإسرائيلية.. وفي كل الأعمال لم نجد العربي/الإنسان في حالة مواجهة وحوار وتعامل سوي وطبيعي وإنساني مع العبري.
9ـ أدب الحرب العبري يكشف عن فكر وشخصية «العبري» أكثر من شخصية «العربي» .
السيد نجم

