كان من المفترض أن يفتتح الشاعر الراحل محمود درويش بنفسه في رام الله عرض فيلم «هوية الروح» الذي أقيم في الخامس من أكتوبر الماضي، غير أن رحيله المفاجئ الذي شكل صدمة قوية للوسط الثقافي حال دون ذلك.
يقول توماس هوغ مخرج العرض» إن درويش كان يجب أن يفتتح العرض الأول في رام الله غير أن موته المفجع سبقنا» بدأت قصة «هوية الروح» عام 2006 في الذكرى المئوية لرحيل شاعر النرويج هنريك أبسن مبدع قصيدة» تيريه فيجن» التي تعتبر حتى اليوم نشيدا وطنيا يمجد البطولة في الثقافة النرويجية، حيث رغب توماس هوك والمنتجة مارتينا رود العمل على إنتاج القصيدة في عرض فني سينمائي، نظرا لجمالها وللقيم الإنسانية الأصيلة التي تحملها.كانت البداية في اليابان حيث عُرضت القصيدة بصوت الشاعر الياباني ماساتو إيبو عام 2006، ولاقى العرض حينها إقبالا منقطع النظير، وأثار جدلا كبيرا في المجتمع الياباني وتحديدا جيل الشباب.
تتحدث قصيدة إبسن التي كتبت عام 1861 عن قصة رجل يدعى تيريه فيجن وهو الرجل الذي دمرت حياته الحرب، والذي تسنح له الفرصة بعد سنوات بالانتقام من الضابط الذي اعتقله وكان السبب بموت زوجته وطفلته جوعا، فيعيش صراعا بين الثأر والانتقام من جهة أم التسامح وكسر دائرة الكراهية والعنف من جهة أخرى.فقد كان أمرا نادرا أن تتم مناقشة هذه المفاهيم في المجتمع الياباني الذي يعتبر الانتقام قيمة راسخة.في عام2007 قررهوك ومارتينا رود توسيع تجربة العرض السينمائي الثقافي، والبحث عن شاعر معاصر تتضمن أعماله أفكار التسامح والقيم الإنسانية، ليتم عرض القصيدتين معا بعرض واحد يقدم في عدة دول عربية وأجنبية وبأكثر من لغة.حينها بدأت رحلة البحث عن قصيدة تتقاطع إنسانيا وروحيا مع قصيدة إبسن واستمر البحث شهورا طويلة، قبل أن تجد زوجة توماس هوغ وهي متخصصة بالأدب المقارن قصيدة محمود درويش المترجمة لأكثر من لغة «جندي يحلم بالزنابق البيضاء»، وعندما عرضتها على زوجها تنفس الصعداء قائلا» هذه هي القصيدة التي نبحث عنها».
كتب درويش قصيدة » جندي يحلم بالزنابق البيضاء» بعد هزيمة 67، وكان يبلغ من العمر «26 عاما»، وتتحدث عن جندي إسرائيلي يحلم بالزنابق البيضاء وقهوة أمه والعودة لحبيبته، لكنه يمارس قتل الفلسطينيين يوميا، لأن هذه أوامر دولته، فيقرر أن يرحل بعيدا حيث بإمكانه أن يعود كل مساء سالما لأمه، القصيدة في حينها اعتبرت علامة فارقة بشعر درويش الذي سلط الضوء على الجندي كإنسان وليس كعدو قاتل.
في خريف 2007 بدأ فريق العمل بالبحث عن حلقة توصلهم بدرويش، ولم ينجح الأمر إلا في نهاية العام، بمساعدة المخرج عمر القطان سكرتير مجلس أمناء مؤسسة عبد المحسن القطان، وخالد الحوراني الفنان التشكيلي المعروف والمدير الفني للأكاديمية الدولية للفنون.
يقول توماس هوغ» حضرنا إلى رام الله في كانون الثاني 2008 لنستأذن درويش باستخدام قصيدته، وليقوم فنان محترف بأدائها في العرض الثقافي السينمائي، فوافق درويش بحماس بعد أن رأى العرض السينمائي للنسخة اليابانية من قصيدة إبسن.
يضيف هوغ «لكن درويش استدرك قائلا : اعتقد أنني سأقرر قرارا مهما، لم لا أقوم بقراءة قصيدتي بنفسي، عندها شعرنا بفرح غامر، ووافقنا بسرعة، ثم طلب درويش أن يطلع على الترجمة العربية لقصيدة إبسن فأعجب بها، وعلق» بعد أن قام ببعض التعديلات البسيطة على الترجمة، هذه قصيدة جميلة وقوية جدا لما لا أقرأها أيضا».
ويعلق هوغ» شعرنا بدهشة كبيرة وسعادة لا توصف، جئنا إلى درويش نطلب إذنا باستخدام قصيدته في العرض، لكننا حصلنا على مشاركته الشخصية أيضا وهذا أمر رائع وفاق توقعاتنا».
وتقول مارتينا رود» طلبت من درويش أن يحضر إلى لندن لتصوير القصيدتين في استوديو ذي تقنيات عالية، لكنه اعتذر بسبب وضعه الصحي، فتفهمنا الأمر، وأحضرنا طاقم الأستوديو بأكمله من لندن إلى رام الله في شهر مارس 2008.
وتبتسم رود وهي تقول» من البداية عرفت أن العمل مع درويش على أهميته إلا أن فيه الكثير من التحدي، فهذا رجل واثق من نفسه جدا، وهو حساس وعنيد بذات الوقت، أذكر أنني قلت له أن عليه أن يتفرغ للتصوير بواقع 12 ساعة على مدار يومين، فأجابني: هل أنت مجنونة أنا لم أفعل ذلك بحياتي، هل تريدينني أن أقف أمام الكاميرا 24 ساعة أقرأ شعرا؟
فأجابت رود» أعلم أنك تستطيع قراءة القصيدتين بوقت أقل، لكن هذا فيلم وليس مجرد إلقاء للشعر».
قصة المعطف الطويل
وتتذكر» كان يجب أن يرتدي درويش معطفا طويلا وهو يروي قصيدة إبسن، وهنا شعرت أن من المستحيل جعل رجل بمستوى أناقته الرفيعة يرتدي معطفا مثل ذلك الذي يلبسه البحارة في الشتاء، لكنني كنت أريد المحاولة معه على أي حال، فقال لي وهو يمسك المعطف باستنكار: هل تريدينني أن أرتدي هذا المعطف القبيح؟؟؟ ورفض بشدة».
ويقول هوغ» لم يكن من السهل على درويش البقاء أمام الكاميرا ساعات طويلة وإعادة مشاهد كاملة فهو ليس ممثلا، وكان من الصعب عليه قراءة القصائد دون جمهور كما تعود لأن الجمهور من يمده بالحماس والتفاعل، لذلك أقترح في بداية العمل أن يتم التصوير في مسرح ممتلئ بالحضور كالعادة، لكنني رفضت موضحا له أن هذا العمل يدخل في سياق الفن السينمائي أولا، وثانيا ويجب أن يشعر كل واحد يسمع الأداء أن الشعر موجه له بشكل شخصي، وهذا ما حصلنا عليه بالنهاية».
ويقول هوغ» عندما نفكر بمحمود درويش يقرأ الشعر، يخطر في بالنا مباشرة قاعة كبيرة مزدحمة بالحضور، لكن هذا العرض خاص ومختلف، لأن درويش يظهر فيه وكأنه يلقي القصيدة لشخص واحد بحميمية عالية».
ويبتسم وهو يقول» أمضيت أياما مع درويش في رام الله متنقلا ما بين مكتبه في مركز خليل السكاكيني، وبيته، وسينما القصبة حيث شاهدنا مسرحية «بيت الدمية» لإبسن في نسختها الفلسطينية، وعندما كان يعرفني على أحد أصدقائه كان يقول ضاحكا «أقدم لكم المخرج الذي جعلني أقرأ قصيدتي أكثر من سبع مرات».
ويتمسك المخرج بأنه يجب أن لا ينظر للمشروع في سياق رحيل درويش وكأنه المشروع تأبين له، لأن العرض أنجز خلال حياته، وكان تواقا لافتتاحه لافتا» أن درويش أخرج العمل بنفسه فقد رأى جمع المقاطع بشكلها النهائي وكان من المفترض أن يرى النسخة العربية من العمل كاملة في العاشر من آب لكن الموت سبقنا إليه بيوم واحد»
نص عميق
ويعلق الفنان التشكيلي خالد الحوارني الذي واكب المشروع منذ البدايات» جندي يحلم بالزنابق البيضاء، نص عميق يقف بجدارة أمام تبدلات الحياة وتقلبات الزمن، ومفاعيله الفنية لا تزال عالية وكبيرة ليس في ديوان الشعر العربي فحسب، أسوة بشعر درويش كله وإنما في مشهد الشعر العالمي أيضا».
ويتابع» كان درويش متابعا دقيقا لسير العمل، ويعطي ملاحظاته الذكية هنا وهناك، تاركا للمخرج وطاقم التصوير مساحتهم».ويضيف» لقد عرفنا درويش شاعرا عظيما وفي هذا العرض السينمائي نحن أمام راو ومؤد رائع».
يؤمن المخرج أن بوسع كلمات ابسن ودرويش تحفيز الناس على التفكير أن اكبر القضايا في الحياة يمكن تفكيكها لتكون شخصية ومجرد خيارات فردية، لأنه في آخر المطاف الفرد هو المسؤول عن قراره.
مشروع شعري جمالي
ويؤكد أن «هوية الروح» مشروع شعري جمالي يقدم عبر أداء مبهر، وهو بعيد كليا عن أي إسقاطات سياسية أو نية تأبينية للشاعر الكبير».
لكن الحوراني يؤكد أن ظلال غياب درويش ستلقي بثقلها على العرض، قائلا «صحيح أن العروض كان مقررا لها أن تكون في مواعيدها قبل فاجعة رحيل درويش ولكن هي الدنيا، وأمام حزن وفقد مميز، حتما سيلقي موت بهذا الحجم ظلاله الكبيرة على مجمل الفعل الثقافي هنا وفي المحيط فكيف سيكون الأمر بعمل فني يشارك به درويش راويا ومؤديا باحتراف قل نظيره!».
ترجمت قصيدتي هوية الروح إلى سبع لغات، وسيرويها في العروض السينمائية ممثلون محترفون، وستعرض في عدد من الدول العربية ومخيمات اللاجئين في لبنان وعواصم ومدن أوروبية وأميركية في ربيع وصيف 2009.
ورؤية هوغ للمشروع هي التي شجعت مؤسسة عبد المحسن القطان، ومنتدى شارك الشبابي الشريكين المحليين للمشروع على احتضانه في الأراضي الفلسطينية، وأيضا شجع اكبر شركات القطاع الخاص على دعم تنفيذ العروض ماليا وهما شركة فلسطين للتنمية والاستثمار «باديكو» ومجموعة الاتصالات الفلسطينية.
ويؤكد محمود أبو هشهش مدير البرامج الثقافية في مؤسسة عبد المحسن القطان، أن المؤسسة اتخذت منذ البداية قرارا سريعا بالتعاون مع الشركة المنفذة. مضيفا أن المطلوب هو «المستوى الفني الرفيع شكلا ومضمونا، وتقديم درويش للعالم ووضعه في المكان الذي يستحقه إلى جانب هنريك ابسن وهو أعظم الكتاب العالميين، والاستفادة من الخبرات التقنية الكبيرة للمشروع فلسطينيا، كلها أسباب شجعت المؤسسة على أن تدخل في شراكة كاملة هدفها المساهمة في تنفيذ المشروع بأفضل صورة.
أما منتدى شارك الشباب فقد أوكلت له مهمة التنظيم والتنسيق للعروض التي انطلقت يوم الأحد الماضي وستستمر حتى العشرين منه متنقلة بين ثماني محافظات فلسطينية.
يقول بدر زماعرة المدير التنفيذي للمنتدى» تفرغ 700 شاب وفتاة من متطوعي المنتدى لتنظيم العروض في المدن الثمانية . وأطلق «شارك بوحي من» هوية الروح» صندوق محمود درويش لدعم المبادرات الثقافية في فلسطين» حيث تذهب تذاكر العروض الرمزية لصالحه، بعد أن أخذ على عاتقه دعم المواهب الثقافية الشابة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويعتبر هوغ أن تحفيز الشباب على كتابة الشعر، وإيصال الشعر إلى كل فئات المجتمع هي جوهر المشروع الشعري «هوية الروح» الذي يقدم الشعر بعرض جمالي سينمائي متاح للجميع.
مشروع ثقافي كبير
«هوية الروح» وهو أكبر مشروع شعري سينمائي تشهده الأراضي الفلسطينية، يتم توأمته بأسلوب جديد بين محمود درويش وشاعر النرويج الكبير هنريك ابسن في عرض سينمائي حي.
«هوية الروح» قصة تروي الانتقام والتسامح شعرا، وكيف استطاع الشاعران هنريك إبسن ومحمود درويش عبر الكلمات رؤية الإنسان في العدو، دون محاكمات أو دعوة لغفران ساذج أو سلام هش..
محمد إبراهيم



