الطراوة المسلحة تلك هي العلامة الفارقة لتمييز الصبار عن سواه، من العائلة النباتية المعروفة جيداً، طراوة تسيل اللعاب، تغري باللمس، بنوع من التسلية من دون تركيز، ولكن مجرد اللمس، يكفي لمعرفة ما هي عليه الطراوة الظاهرة من قدرة على الصد.

ثمة غموض مستفز في عبارة( النبات الشوكي)، من جهة التباعد الواضح، بين كل من النبات، وصفة الشوكية الملازمة له! إن الذي يُعرَف عن النبات، هو سهولة التمكن منه، هو الخاص بالجانب السلمي، بيسر القدرة على التصرف فيه، غالباً، وصفة الشوكية ، إذ إنها تزيح التوصيف السالف جانباً.الصباريات تدخل في هذا الوسط الجامع بين الطراوة الجاذبة، روعة الإيقاع في أحبولة الطراوة المرئية، تلك التي تخص الأخضر المغبر، أو الملفَّح بالشمس، أو المضغوط عليه، وروع المحيط به.

حيث السلالة المحيطية للأشواك الإبرية الرامحة، لا تخفي مواقعها، ووظيفتها. وربما ينمُّ مشهد الصبارية الواحدة، عن تلك السياسة النباتية المقدَّرة، في تدبير شؤونها الخاصة، وهي ضمن بيئة معينة، وفي وسط اجتماعي، نباتي ناطق بحياتها المختلفة، ولكنها سياسة لا تنم هي الأخرى، عن لعبة تضليل، لحظة النظر في بنيتها، وهي ملء النظر، أو يسهل النيل منها بأداة معينة، ولا عن تمويه على حقيقتها، بقدر ما تفصح كثيراً، عن حالة من التوازن السعيد، بين كيفية الاستمرار في الوجود، والتجلي للآخرين، وفي وسط مهدَّد بأنواع الفناء المختلفة.

الطراوة المسلحة! تلك هي العلامة الفارقة لتمييز الصبار عن سواه، من العائلة النباتية المعروفة جيداً، طراوة تسيل اللعاب، تغري باللمس، بنوع من التسلية من دون تركيز، ولكن مجرد اللمس، يكفي لمعرفة ما هي عليه الطراوة الظاهرة من قدرة على الصد، حيث إن السلاح الرمحيَّ المظهر، يكون بمثابة دعم حيوية للصبار، وحزام أمني له، وليكون لهذا المرئي الثابت، كما لو أنه قنفذ بدَّل لونه، وانفرش جلده، في أكثر من هيئة، وحضور الحكمة التي تُبَث في الجهات الأربع، تلك التي تصل السهل بالممتنع، غواية الجذب من الداخل الملحوظ، بدراية النبذ من الخارج المخيف.

بين حاضر النعومة المستمر، حيث لقيا الحياة في تواضع جم، إذ ليس هناك ما يخفيه الصبار عن العين، وبروز الشوك المنبعث من النعومة تلك، تتأصل فتنة لمَّاحة، تلهِم الذين ينشدون إبداعاً، وعلى نحو مختلف، في ثنائية العلاقة الأثيرة، بين خارج مصرّح بحقيقته، وداخل مفتوح بدوره، مباح للنظر فقط، خلاف الكثيرين الذين يعتمدون سياسة صبارية مؤلمة، حيث نعومة/ طراوة المظهر، تتقدم خشونة/ قساوة الجوهر. سياسة الصبار الطبيعية، هي فطرته الأزلية في البقاء، بينما سياسة الصبارية اجتماعياً، هي نسف مفهوم الفطرة كثيراً، ودخول في لعبة تفكيك الأجمل في الطبيعة، وإحداث بلبلة في الرؤية، وفي كيفية تذوق العالم الخارجي.

إن جاذبية الفن، بالمعنى العام للكلمة، تتيح لنا رؤية مباشرة لِما هو صباري، جدير بالتقدير، فالفن الإبداعي، وكل إبداع، توأمٌ/ صنو صباريٌّ، من خلال لعبة المبادهة، في مطالعة المنتظَر، بينما عراضة الفن، وكل ما يدخل في خانة الفن اسمياً، حتى طريقة الكتابة، وسلوكياتنا اليومية فيما بيننا، فابتعاد عن خاصية المشهد الصباري، تداخل قويم بين الظاهر والباطن، كما هو وقع المباغتة الدائمة، بين المعلَن عنه بتلذذ مكشوف، والجاري استتاره بوعي دقيق، وربما تصرَّف الكثيرون، في ترتيب علاقاتهم مع بعضهم بعضاً، بينهم وبين أنفسهم، باستلهام الدرس الصباري، إنما مع عملية قلب له، كما هو الصادم لنا على أعلى مستوى في تواصلنا الاجتماعي.

عندما نكون صباريين، إنما يتقدم سلاحنا الطري/ الناعم، أو تسوّرنا طراوة تخفي شوكياتنا في الداخل، وربما من هذا المنطلق اللاشعوري كثيراً كثيراً، نهوى الاعتناء بالصبار قريباً منا، نتأمله، ونظل بعيدين عنه ملامسةً. تُرى أي حوار ضمني، رمزي، ذوقي، يجري يومياً، بين هواة الصبار، والصبار نفسه؟ ربما الجواب هو ضمنيٌّ أيضاً. إن الحكمة الصبارية وحدها، وفي حدود الرؤية النافذة، تستشرف بنا الكثير مما نعلم دون أن نسمّيه، مما نعتمده سلوكياً من دون مكاشفة له. حسنٌ، لننطلق إلى الصحراء إذاً ولنر ..!

الفتنة اللماحة

ليس هناك ما يخفيه الصبار عن العين، وبروز الشوك المنبعث من النعومة تلك، تتأصل فتنة لمَّاحة، تلهِم الذين ينشدون إبداعاً، وعلى نحو مختلف، في ثنائية العلاقة الأثيرة، بين خارج مصرّح بحقيقته، وداخل مفتوح بدوره، مباح للنظر فقط.

إبراهيم محمود