لأروقة المتاحف سحر خاص، رطوبة معتقة هي دائما تدفعك للوقوع بين اتجاهين متضادين، فأنت تسير أمام المعروضات المعزولة عنك في ايقوناتها الخاصة، وهي مبتعدة بعد الشمس لأنها تمتلك القدرة على استدعاء الزمن الذي لم تكن فيه، هو مغناطيس اللقي النادرة التي تحكي سيرة الوقت والتاريخ وتحكي سيرة الانسان، هذا المغناطيس هو الذي يثير فيك شعور التناقض، فوجودك بين ما تركه الآخرون عبر الزمن، استفزاز صارخ للحنين، لمخزون الذاكرة، للأسئلة الحائرة.. للحقائق التي تحتاج الى أدلة مقبوض عليها وحاضرة..

يحضر لباس ذلك الفارس العتيق صاحب السهول والوديان والجبال وصليل السيوف والخيول الجامحة، يحضر في هذا اللباس الذي يحرك صمت الجدران والمكان، وحينما تبدأ التأمل في تفاصيل ذلك اللباس تستسلم لسيرة السرد ويتدفق التاريخ بين خيوطه العتيقة..تقدم لنا المتاحف خدمة جليلة في استفزاز المعرفي لدينا، وتمثل شاهد عيان موثوق به لحفظ الإرث من اجل الأجيال المقبلة، ومن اجل الشهادة على نوايا التاريخ، لهذا ينفق كثير من الناس الأموال الطائلة من اجل التمكن من تلك اللحظات الخلاقة التي تجمعهم بقطعة أثرية، قيمتها التاريخية فيما تختزنه من حضارة ربما تكون في الركن القصي من العالم..

وتنفق الدول والجهات المهتمة أموالا مضاعفة لكي يتكون لديها متحف يحتوي أسرارا من الانجاز البشري، اما أعمال البحث والتنقيب والجمع والتصنيف فهي الأخرى من الأعمال الشاقة التي يسعى اليها الناس من اجل القبض على تلك اللحظة الفريدة للإبداع البشري..في الشارقة التي تشتهر بإعداد متاحفها وتنوعها، يتحول مبنى لسوق تجاري الى متحف متميز وفريد في المكان، ينقلك عبر الأزمنة الى حضارة شعت على العالم بروحانياتها وصهرت ثقافات مختلفة لتنتج مفردات ثقافية تراكمت خبراتها وامتزجت من شعوب العالم.

. واذا قلنا ان فنون الحضارة الإنسانية تشكل ضربا بارزا من ضروب تمازج ثفافات الشعوب وهوياتها وخصوصياتها الدقيقة، واذا كانت الحضارة المدنية اليوم بفلسفاتها الرأسمالية والاشتراكية تتضادان وتلتقيان من اجل بث الروح في عولمة الهويات وتشكيل العالم في بوتقة واحدة قابلة لشروط السيطرة والتحكم من قطب اوحد مسيطر، فان الحضارة الإسلامية حينما بزغت بها شمس الإسلام وانتشرت عبر العالم بلورت حضارات الشعوب وأشعلت جذوة فكرها وإبداعها، فتشكلت حضارة واحدة تألفت تحت راية واحدة لكنها استفادت استفادات قصوى من مزيجها دون تقييد او تحييد، لهذا كان المبدعون المسلمون ينطلقون بمشغولاتهم وصناعاتهم الى فضاء الجمال، وما النقوش على الأسلحة والسيوف والحجر والورق الا اصطيادات جمالية بالغة التأثير..

فأنتجت الحضارة الإسلامية فنونا طبعها الإسلام بفلسفته.. وعبر العصور تشكلت هوية واضحة وبارزة المعالم ومفروزة عن سواها من الفنون الشبيهة، وصار لها تأثيرات كبيرة لا يمكن نكرانها على الفن العالمي وأرست مراسيها في صفحات تاريخه بشكل لافت ومؤثر.. فهوية فنون الحضارة الإسلامية، هي جمع هويات لإبداعات شعوب وفنانين فرقتهم المسافات والجهات وعبر خلفيات ثقافية وفنية لنتاجات شعوب عبر العصور الزمنية، فجاء الفن الإسلامي في خلاصته نتاج حضارات متعددة أخضعت كنوزها لفلسفة واحدة..

اهتم العالم اهتماما كبيرا بالفنان المسلم وبالفنون الإسلامية، التي خلت من تصاوير الإنسان والإحياء باختلافها واتجهت خالصة الى براعة الإنسان الموهوبة من الخالق، تشكل أساس الفلسفة الإسلامية.. لهذا يرى بعض النقاد في تحليلهم للبنى الفكرية في الإبداعات الإسلامية انها تنطلق من تسليم المسلم بحمال الخلق وعظمة الخالق..لهذا مضى المبدع المسلم في إبداعه الى حالة من البحث الابتكاري نحو تلك العظمة وجمالها..

وتشكلت حضارة الفنون الإسلامية من إبداعات وقعها الفنان المسلم في زخارف الفخار والبناء والنقش على المعادن والنسيج والورق والجلود والخشب وإبداعات الارابيسك، وتجلى الإبداع بتأثيرات القرآن الكريم في فنون الخط العربي والحروفية التي أبهرت العالم.. فقابلت عبر التاريخ اهتمامات كبيرة من شعوب العالم، ولم يقتصر الاحتفاء بها واعتبارها انجازا مهما في حضارة البشرية، في بلاد المسلمين، لكنها فرضت ذلك الحضور من خلال روعة إبداعها وأهميته وحاجته، فتم الاهتمام بها عبر عشرات المتاحف العالمية التي تخصصت في الاحتفاء والاحتضان لمنجز الفنان والصانع المسلم..

في الشارقة وقبالة بحر الخليج وامام مشهد الموج يقف اليوم متحف الحضارة الإسلامية، محتضنا تفاصيل دقيقة لتاريخ طويل من الإبداع الإنساني عبر ما يقرب من 5 آلاف قطعة وتحفة فنية، ليشكل هذا المعلم الذي افتتحه صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة في الخامس من شهر يوليو الماضي منارة إضافية ونوعية تنظم الى منارات الإبداع الإسلامي عبر العالم.

فهذا المتحف كان في الأصل سوقا يضم محلات لبيع الملابس والأحذية والإكسسوارات، وبقي على وظيفته هذه لسنوات طويلة، لكن قرار تحويله الى متحف يضم كنوزا من حضارة الإبداع الإسلامي هو الذي يشكل نقطة الضوء اللافتة للنظر ونقلة هامة في مسيرة الاحتفاء بالمنجزات الإبداعية الإنسانية في الامارات وإمارة الشارقة بالذات.

فمتحف الحضارة الإسلامية كان عبارة عن سوق مغلق يطلق عليه سوق المجرة يقع في مساحة طولها 200 متر ربع وعرضها 30 متراً، ويضم خمسين محلاً تجارياً، كل منها مكون من طابقين يصل بينهما سلم داخلي وقد تم بناء الهيكل العام من الحجارة الملساء المصنوعة خصيصاً لهذا السوق في بريطانيا، وابرز معالم هذا المبنى قبته ذات اللون الذهبي والتي يبلغ قطرها 17 مترا مغطاة بقطع الموزاييك..

وكان لهذا السوق في موقعه المميز ان يحتل مكانة بارزة في حركة التجارة والاقتصاد في امارة الشارقة، الا ان قرار تحويله الى متحف واختياره لاحتضان جزء هام من منجزات الحضارة الإسلامية جعل معايير المبنى ترتفع بقيمة محتواه وأهميته ودوره كمنارة للثقافة الإسلامية ومركزا لصقل المواهب والطاقات البشرية.

إدارة التراث بالشارقة تعول على هذا المركز - المتحف لكي يكون مركزا يتجاوز كونه مجموعا لصالات عرض الى مركز تدريب وتعليم وتواصل مستمر.. وذلك عبر مشروع استراتيجي يتبنى آلية الورش التدريبية واستضافة الخبرات.

الداخل الى سوق المجرة سابقا.. متحف الحضارة الإسلامية حاليا لن يجد مجالا للالتفات كثيرا، فالطابق الأرضي الذي يمتد على يمين ويسار المدخل يتحول فجأة الى مقطورة طويلة في قطار التاريخ.. ستتلقاك أيقونات العرض من اليمين واليسار والحجرات المستطيلة التي ستحكي لك في الصمت ملمح مشبع من تاريخ الحضارة الإسلامية وانجازات شعوبها..

ففي رواق العقيدة الإسلامية وهكذا تم عنونته تبرز أهم المصاحف والمخطوطات الإسلامية متجاورة مع نماذج من الإبداعات المعمارية وصور نادرة عن الحج الى مكة المكرمة.. اجمل ما يمكن تأمله في هذا الجناح قطعة مزخرفة من كسوة الكعبة المشرفة التي تم إهداؤها للمتحف خصيصا.

تتوزع القطع الثمينة في المتحف راسمة كولاجاً ذكياً لإبداعات صناعية وفنية تعكس منجزات شعوب مختلفة وحدتها روح الإسلام.. حينما تتأمل مجسما لمستشفى كان له إشعاعه الحضاري عبر التاريخ.. سوف تقرأ في المقابل فقرة مدونة تقول لك «مستشفى الأميرة طوران دفرجي.. تعد مستشفى الأميرة طوران أقدم مستشفى لا تزال قائمة في الأناضول في تركيا، وكانت الأميرة طوران ابنه فهر الدين بهرام شاه وزوجة احمد ساه، هي التي أعطت الأمر ببنائها عام 625 هجرية /1228 ميلادية في دفرجي الواقعة جنوب شرقي سيفا ويتضمن مجمع المستشفى مسجدا ويقع على مساحة تتجاوز 2000 متر مربع»®.

حينما تقرأ العبارة لن تجد صعوبة في ان تعتلب سور المجسم الصغير ببصرك وبصيرتك وتدع للذاكرة فرصة سانحة لحضور الزمن السالف برجاله وأيامه.. اما في رواق المسكوكات فلن تكون بعيدا عن تقمص شخصية اقتصادي العصر الحديث أمام عملات حفرت بآلات حادة ودقيقة وزينت بالحروف والكلمات والرموز..عملات صغيرة وكبيرة هي كافية جدا للذهاب الى بقاع غائرة في التاريخ، تجللها روح الإسلام، وعبر رموز التداول المالي وصناعاتها وفنونها.

أسلحة، خناجر وسيوف تبدو حادة كحدة عصف الخيل في الميادين المكتظة بالفرسان المحاربين، وتبدو كمنحوتات، التقاطات إبداعية لأنامل تشكيلي أحب مساحات أسطحها فذهب ينقش سيرة المرحلة بفكرها وحوارها وجمال حروف اللغة ونقوش مختلفة استعيرت من جبال بعيدة..لا توجد قطعة ثمينة في متحف الحضارة الإسلامية.. المجرة سابقا..الا وتجمع جماليات التصنيع من ثقافات شعوب مختلفة..وهذه واحدة من اهم ميزات المتحف وما يحتويه من تلك الكنوز.

زي المرأة المسلمة له أيضا مكان لكنه يعكس ايضا وجهة نظر من خلال مراقبة اختلافات وتطورات هذا الزي عبر الأزمنة وآخر ما تم التوصل اليه من تعديل.. سوف يحافظ على فلسفته لكنه سيتلون بألوان مختلفة هي انعكاسات لمزيج الثقافات، يطول في نواحي ويقصر في نواحي ويسلب الزخرفة إبداعها في نواحي أخرى.. من تركيا الى الصحراء والبادية الى تخوم الصين..

يتيح متحف الحضارة الإسلامية في الشارقة مساحة واسعة للاقتراب أيضا من الصناعات والاكتشافات التي توصل اليها المسلمون، مباضع الجراحة، أجهزة وأواني التقطير وخلط المركبات الكيميائية، أجهزة قياس المسافات ودراسة الفلك والنجوم، صناعات النسيج، صناعة الأواني، الدروع والأسلحة.. حيث تمثل هذه المجموعات التي يحتفظ بها المتحف نتاج عصور مختلفة وشعوب مختلفة عاشت في رحاب الإسلام..

وعبر القاعات الأربعة المختلفة ستتطلب الرحلة قراءة التفاصيل الموثقة بجانب تلك الكنوز، فهذا الذي أنتجته حضارة جمعت ثقافات الشعوب وجاورتها بسلام لا يمكن ان يقدر بثمن، وكلما مر الوقت، كلما برزت قيمتها في قدرتها على إثبات الريادة لهذه الحضارة في الوقت الذي عاشت فيه شعوب وحضارات في عصور الظلام.

تصميم إسلامي

يقع المتحف في منطقة المجرة بشارع الكورنيش على مساحة طولها 200 متر ربع وعرضها 30 متراً، ويضم خمسين غرفة، كل منها مكون من طابقين يصل بينهما سلم داخلي وقد تم بناء الهيكل العام من الحجارة الملساء المصنوعة خصيصاً في بريطانيا.

أما أبرز معالم هذا المبنى فهي القبة ذات اللون الذهبي والتي يبلغ قطرها 17 متراً والمغطاة بقطع من الموزاييك. وهناك ستة عشر عموداً مقامة تحت هذه القبة تقع في منتصف المبنى وتقوم على هذه الأعمدة بمستوى الطابق الأول كافتيريا دائرية، كما تم طلاء القوس الأوسط بالموازييك الأبيض والأخضر ، ولهذا المبنى أربعة مداخل رئيسية، مدخل في كل جانب من جوانبه، جميعها مطعم بالزجاج الملون بتصاميم إسلامية.

مسكوكات نفيسة

يضم قسم العملات المعدنية في المتحف الاسلامي بالشارقة عددا من العملات والمسكوكات النفيسة أبرزها: مجموعة الدنانير الذهبية، التي تعود لعصر الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان. ففي عهده تم سك أول عملة إسلامية خالصة مكتوب على احد وجهيها «قل هو الله احد« وعلى الوجه الآخر »لا اله الا الله»، وطوقت هذه العملة بطوق كتب عليه: ضرب بمدينة كذا، وفي الطوق الآخر «محمد رسول الله»، إضافة لمجموعة فريدة من المسكوكات الإسلامية، التي تؤرخ لعدد من مراحل التطور في الفن الإسلامي.

مرعي الحليان