كتاب «التعلّق بالأرض» يحمل عنواناً فرعياً يقول: صحافيون وكتّاب ورجال علم ونشطاء بالدفاع عن الأرض يبحثون عن علاقتنا مع الطبيعة والبيئة . وهؤلاء جميعاً يكتبون، كل منهم في اختصاصه. هكذا تتنوع المساهمات من الاهتمام بالبحار، كما يفعل الباحث دافيد هالفارغ وحتى استراتيجيات العمل من أجل حماية البيئة في إطار اتفاقيات مثل »كيوتو« كما في مساهمة روس غليسبان ومرورا بدراسة حالات عيانية محددة. كما يتعرض بعض المساهمين لدراسة تجاربهم الشخصية مع دافيد سوزوكي.

إنهم يركّزون، في منظور تقديم رؤيتهم لتلك التجارب، على سماته كـ «مناضل من أجل البيئة» وكـ «رجل علم» وك«خبير بعلم الوراثة» وأيضا كـ «كاتب كندي». وقدّموا من خلال ذلك سيرة حياته . وتفهم من مختلف هذه المساهمات أن دافيد سوزوكي هو من أبناء الجيل الثالث لمهاجرين يابانيين.

وكانت قد تمّت تربيته حسب التقاليد اليابانية مع أخواته الثلاث. لكنه لم يتعلّم اللغة اليابانية حيث كان والداه يتحدثان الإنكليزية في المنزل. ولكنه اضطر إلى مغادرة المنطقة التي وُلد وعاش طفولته فيها عندما منعوا الإقامة على الذكور ذوي الأصول اليابانية عندما قامت الحرب العالمية الثانية.

وعندما انتهت تلك الحرب عام 1945 وجد الكنديون ذوو الأصل الياباني أنفسهم أمام خيار العودة إلى اليابان أو الهجرة إلى مناطق نائية في كندا ولم تتم إعادة أملاكهم المصادرة لهم. هذه الذكرى تركت الكثير من المرارة لدى دافيد سوزوكي.

ولم تكن تلك »المرارة« بعيدة عن مشاركة «دافيد سوزوكي» في حركة المطالبة بالحقوق المدنية للسود عندما كان طالبا في جامعة شيكاغو لتحضير شهادة الدكتوراه في علوم الأحياء البيولوجيا . وكان قد أصبح فيما بعد أول عضو، ليس أميركيا من أصل إفريقي، في الجمعية الوطنية الأميركية للملونين (السود).

ثم عمل لسنوات عديدة في الخارج، بفرنسا وألمانيا وروسيا حيث تفتّحت أمامه آفاق جديدة وانطلق في حملة لـ «توعية الجمهور بأخطار العلم». ومن خلال ذلك «الباب» دخل إلى عالم التلفزيون بسلسلة من البرامج ذات الطابع العلمي ليصبح نجماً إثر العمل في هذا الإطار لمدة 20 سنة.

واعتباراً من عام 1985 بدأ، بعد عودته إلى منطقة «ملاعب طفولته الكندية« بالتفرّغ للكتابة. وتعزز بنفس الوقت التزامه بمواقف سياسية ضد الإفراط في السباق بالنمو الاقتصادي المسؤول بنظره عن تلوث البيئة . وشرع آنذاك أيضاً بتأليف الكتب الموجّهة خاصة للشباب لشرح الأخطار التي تحيق بالكوكب الأرضي، وكانت الجمعية الكندية للكتب الأكثر انتشارا قد كرّسته مؤلف العام لسنة 1990.

مساهمات هذا الكتاب كلها مستوحاة من أعمال دافيد سوزوكي، وكلها تدعو إلى كبح الجموح العلمي والاقتصادي المخرّب للبيئة. بل وتدعو مساهمة «ريك باس» التي يعلن فيها «تعلقه بوادي ياك» في منطقة مونتانا إلى نوع من العودة إلى الحالة الطبيعية الأولى وتقريبا المتوحشة مثلما هي حالة هذا الوادي الذي يعرف درجة متواضعة جدا من التطور والذي يتم وضعه على أنه الوادي الأكثر بدائية والأكثر تنوعا .

ولكن تتم المطالبة أيضاً بضرورة إنقاذه ، وذلك عبر المحافظة على خصوصياته .إن الكاتب ومن خلال المقارنة بين الحياة الطبيعية التي تقوم على أساس احترام »متطلبات الأرض والبيئة« وبين الحياة الحضرية بصيغتها المعقّدة السائدة في عالم اليوم، يحاول أن يدفع قارئه لـ «التنقيب» أعمق لمعرفة الأسباب التي تجعل العودة إلى الطبيعة مرادفا لـ «تخفيض الضغط» الواقع عليها.

وتذهب في نفس الاتجاه مساهمة دافيد هيلفارد عن الطفولة والبحر التي يؤكد فيها كاتبها على روح المصالحة والهدوء التي يمكن للإنسان أن يجدها في أحضان الطبيعة، وخاصة مع البحار والمحيطات. ولا تقل المساهمة التي يكتبها ريشارد مابي حول ليلة في ضوء القمر« شاعرية عن المساهمة السابقة. ذلك أننا أيضاً أمام دعوة لتغذية البعد الروحاني» و«الانسجام النفسي عبر التآلف والائتلاف مع الطبيعة.

تبقى المهمة الأساسية والصعبة التي تطرحها مساهمات هذا الكتاب تتمثل في التوليف بين دق ناقوس خطر الإنذار حيال التخريب الذي تتعرض له الطبيعة والبيئة والطبقات الجوية وبين التشجيع على تبنّي ممارسات يكون منها تأمين درجة أكبر من الحماية حيالها كلها. ويتم التعبير عن هذا بالقول انه لا يكفي تكرار الحديث لمرّات ومرّات حول البيئة والأخطار المحدقة بها.

فإذا كان من المؤكد وجود رغبة لدى البشر لمعرفة ما يجري في عالمهم فإن من مهمة ذلك الذي يتوجّه لهم بالحديث ان لا يتركهم في حالة إحباط و رعب من المستقبل. ذلك أن مثل هذه الحالة لا تشجع أبداً على تشكيل حركة يمكنها أن تتسع وتتقدم كما يعبّر «بول هاوكن» ويضيف أن مستقبل الحياة على الأرض يمثل مشروعاً كبيراً باسم الجميع .

لكن، وفيما هو أبعد من »التنظير«، تؤكد عدة مساهمات على أهمية «السلوك العملي» وتقديم كل الجهود الممكنة من أجل ما يبدو كـ «برنامج» لتقليص كمية الغازات المؤذية الصادرة عن المصانع وخاصة غاز الفحم ومواجهة الأخطار التي تهدد الصحة والطبيعة وتحسين نوعية دراسة العلوم للأجيال الصاعدة.

وتحتل مسألة التحسين الفعال لسبل التواصل العلمي موضوع مساهمة الباحث «كارل سافينا» في هذا الكتاب. وهو أحد مؤسسي «المعهد الأزرق للمحيطات». ويرى أن البشر يريدون أن يؤمنوا المحروقات لتسيير عرباتهم، وأن تعمل مبرّدات منازلهم بانتظام مع ضمان تأمين المياه الساخنة باستمرار. ولكنهم لا يكلّفون أنفسهم عناء السؤال عن الكيفية التي يتم على أساسها الحصول على هذه الأشياء كلها .

ويمكن استخلاص بعض القواعد السلوكية المطلوبة لحماية البيئة من مختلف مساهمات الكتاب. وهي قواعد تخص تخفيض الطاقة المستهلكة في المنازل وعدم استخدام مبيدات الحشرات وعدم تناول اللحوم ليوم واحد على الأقل خلال الأسبوع والتأكيد على استخدام السيارات التي تستهلك كميات قليلة من الطاقة وزيادة استخدام الدراجات الهوائية ووسائل النقل المشترك ومتابعة الاستعلام وإعلام الآخرين.

لكن هل يكفي لمرء أو لبلد أن يقوما بذلك وحدهما إذا كان هناك ملوثون كبار للبيئة مثل الولايات المتحدة؟ على هذا يجيب دافيد سوزوكي: فلنبدأ نحن، والآخرون سيتبعوننا .

التنظير والممارسة

المهمة الأساسية والصعبة التي تطرحها مساهمات هذا الكتاب تتمثل في «التوليف» بين دق ناقوس خطر الإنذار حيال التخريب الذي تتعرض له الطبيعة والبيئة والطبقات الجوية وبين «التشجيع» على تبنّي ممارسات يمكن منها تأمين درجة أكبر من الحماية حيالها كلها.

الكتاب: التعلق بهذه الأرض

تأليف : ريك باس وآخرون

الناشر: غريستون بوكس كندا 2008

الصفحات: 192 صفحة

القطع: الصغيرة

A passion for this earth

Rick Bass and

Greystone Books Canada 2008

P.192