«أرسطو في مونت سان ميشيل» كتاب عن الأصول اليونانية لأوروبا المسيحية، كما يشير عنوانه الفرعي. وهو كتاب أثار، ولا يزال يثير، الكثير من الجدل. ذلك أن أطروحته الرئيسية المشروحة على مدى الأقسام الرئيسية الخمسة للكتاب تقول بـ «عدم صحة» الفكرة السائدة في الغرب والتي مفادها أن العالم الغربي اكتشف علوم اليونانيين القدماء ومعارفهم عبر الترجمات العربية.

ما يؤكده المؤلف بالمقابل هو أن أوروبا كانت قد حافظت باستمرار على علاقات قريبة و«مباشرة» مع اليونان. في القسم الأول من الكتاب يبحث المؤلف في «المعرفة القديمة لدى اليونانيين» ويرى أن اليونان وثقافتها كانا بمثابة «أفق» مفتوح بالنسبة لأوروبا اللاتينية. وبالتالي لم يكن هناك حاجز «ثقافي» بل على العكس ما جرى هو «انتشار» تلك الثقافة اليونانية مما شجّع تشكّل ذهنية المعارف الوسيطة ما بين القرن التاسع والقرن الثاني عشر.

ويحمل القسم الثاني من الكتاب عنوان: «بقاء وانتشار المعرفة اليونانية حول حوض البحر المتوسط: بيزنطة ومسيحيو الشرق». ويبحث المؤلف في هذا القسم بما يسميه «المراكز الكبرى للمحافظة على الثقافة القديمة».

ونقرأ هنا عن «الأعمال العلمية السريانية» وعن «الرجال العظام للعلم اليوناني-المسيحي».«الرهبان الروّاد في مونت سان ميشيل: عمل جاك دو فونيز»، هذا هو عنوان القسم الثالث الذي يؤكد فيه المؤلف أن القس جاك دوفونيز كان «المترجم الأول لارسطو في القرن الثاني عشر». وكذلك يتعرض لعمل «المترجمين الآخرين اليونانيين- اللاتينيين».

ويحمل القسم الرابع عنوان «الإسلام والمعرفة اليونانية». إن المؤلف يقوم في هذا القسم بالبحث عن علاقة الإسلام بالمعرفة اليونانية وهل كانت «علاقة تقبّل أو لا مبالاة أو رفض»؟ وذلك قبل قسم خامس ختامي يبحث في «مشاكل الحضارة» من زاوية الهويات ومختلف أشكال المنافسة.إن المؤلف وعلى مدى صفحات هذا الكتاب التي تقارب الثلاثمائة صفحة يحاول «التقليل» من عمق الرابطة المعرفية التي تربط العالم الأوروبي بالعالم الإسلامي، وتحديدا من زاوية الجذور اليونانية لأوروبا المسيحية.

إنه يعارض المقولات التي قال بها مفكرون عديدون لهم باعهم الطويل في التاريخ الأوروبي ومساهمة العالم الإسلامي في هذا التاريخ من أمثال آلان دو ليبيرا، المختص تحديدا بتاريخ الإسلام في إسبانيا ومحمد اركون، الباحث المعروف بالفكر الإسلامي وادوار سعيد صاحب كتاب «الإستشراق» وغيرهم. من هنا يمكن القول أن «رهانات» هذا الكتاب ليست «تاريخية» فقط وإنما هي إيديولوجية و«سياسية».

ما يتفق حوله الباحثون في الغرب اليوم هو إجماعهم، شبه الكامل، حول عدد من الأطروحات مفادها عامة أن العالم العربي والإسلامي احتضن معارف اليونان القديمة من فلسفة وطب وعلوم فلك ورياضيات وأغناها بعدد هام من المعارف الجديدة ونقلها بعد ذل «عبر ترجمتها» إلى الغرب الأوروبي، مما يساعد إلى حد كبير في نهضته الحديثة.

الأمر الذي يعبر عنه باحثون عديدين بالتأكيد على المساهمة العربية ـ الإسلامية في نهوض الثقافة الأوروبية، وبالتالي على وجود نوع من «القرابة الثقافة» بين العالمين، الإسلامي والأوروبي.مؤلف هذا الكتاب يخالف هذه الأطروحات ويحاول تفنيدها بالتفصيل واحدة بعد أخرى.

وهو يؤكّد أنه حتى في الفترات «الأكثر ظلمة» من القرون الوسطى في أوروبا كانت لا تزال هناك مخطوطات يونانية يتم تداولها بين قلّة قليلة من القادرين على قراءتها. بهذا المعنى لم تكن هناك قطيعة كاملة من المعارف اليونانية، إذ بقيت هناك بعض «المواقع» المتفرقة التي حافظت على تلك المعارف، وإنما التي تمّ تجاهلها حتى الآن.

ويذكر المؤلف بين هذه المواقع «صقلية» و«روما».ولا يتردد المؤلف في القول بوجود نوع من «الاهتمام» العميق أصلا لدى «الثقافة المسيحية» بـ «الأصول اليونانية القديمة». ويشير بهذا الصدد إلى أن عددا من آباء الكنيسة كانوا ذوي تكوين فلسفي ولم يكونوا يترددون في التعرض لذكر أقوال فلاسفة اليونان القديمة وفي مقدمتهم أرسطو وأفلاطون وبالتالي قاموا بـ «إنقاذ» الكثير من كتاباتهم ومن أفكارهم.

وبناءً على هذا يؤكد المؤلف على أن أوروبا ظلّت باستمرار «على وعي» بجذورها اليونانية القديمة وحافظت بالتالي على اهتمامها بما تركه الفلاسفة اليونانيين القدماء من أفكار. ويشرح المؤلف في هذا السياق بإسهاب ما قام به «جاك دوفونيز» الذي يصفه بالقول أنه رجل يستحق أن يُذكر بحروف كبيرة في الكتب الفرنسية الخاصة بالتاريخ الثقافي الأوروبي.

وكان قد عاش في القرن الثاني عشر وسافر بعدة مهمات إلى القسنطينة ثم عاد للإقامة في «مونت سان ميشيل» اعتبارا من عام 1127 وحتى وفاته حوالي عام 1150. ويؤكد المؤلف أنه قام بترجمة أعمال عديدة لأرسطو من اليونانية إلى اللاتينية. بل وترافقت بعض ترجماته بتعليقات وقام بها «جاك دو فونيز» قبل 20 إلى 40 سنة من الترجمات التي قام بها جيرار دو كريمون في طليطلة انطلاقا من ترجماتها العربية، حسب شروح المؤلف.

وفي معرض البحث في موقف العالم الإسلامي من الثقافة اليونانية القديمة يرى مؤلف هذا الكتاب أنه يمكن التحفظ على الفكرة السائدة القائلة أنه كان هناك قدر كبير من الاهتمام بهذه الثقافة. ويذكر أن الترجمات الأساسية من اليونانية إلى العربية لم يقم بها مسلمون.

وأن مفكرين كباراً من أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد لم يقرؤوا كلمة واحدة بالنصوص اليونانية الأصلية وإنما عبر الترجمات العربية التي قام بها «آراميون مسيحيون». وتتم الإشارة هنا أيضا إلى «حنين بن اسحاق»، المسيحي المعروف بلقب «أمير المترجمين» الذي كان قد قدّم الجزء الأكبر من القاموس الطبي والعلمي العربي انطلاقا من مؤلفات يونانية.

وفي المحصلة النهائية يمكن القول أن «الخط الناظم» للأطروحات الموجودة في هذا الكتاب يتمثل في تأكيد مؤلفه على ان جذور العالم الغربي الأوروبي «المسيحي» تعود بالأحرى إلى اليونان القديمة، وذلك على خلفية إرادة أوروبية صريحة بينما أن جذور العالم الإسلامي لا علاقة لها بالحضارة اليونانية.

كتاب أثار ردود فعل كبيرة وكثيرة وتصدّى لتفنيد أطروحاته عدد هام من المثقفين والمؤرخين في فرنسا وغيرها من موقع علمي ومعرفي. لكن هذا لا يمنع واقع أن حفنة من رجال الفكر والثقافة وجدوه مناسبا لإيديولوجيتهم.

العرب والترجمات اليونانية

يرى سيلفان غوغنهايم مؤلف هذا الكتاب أنه يمكن التحفظ على الفكرة السائدة القائلة أنه كان هناك قدر كبير من الاهتمام بهذه الثقافة. ويذكر أن الترجمات الأساسية من اليونانية إلى العربية لم يقم بها مسلمون.وأن مفكرين كباراً من أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد لم يقرؤوا كلمة واحدة بالنصوص اليونانية الأصلية وإنما عبر الترجمات العربية.

الكتاب: ارسطو في مونت سان ميشيل الجذور اليونانية لأوروبا المسيحية

تأليف : سيلفان غوغنهايم

الناشر: سويل باريس 2008

الصفحات: 282 صفحة

القطع: المتوسط

Aristote au Mont-Saint- Michel,Les Racines grecques de I'Europe Chre'tienne

Sylvain Gouguenheim

Seuil-Paris 2008

P.282