«المثلث الاستراتيجي» المقصود في عنوان هذا الكتاب يخص فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الاميركية وحيث تتم تحديدا دراسة العلاقات بين أطراف هذا المثلث في إطار تكوين أوروبا الجديدة، كما يشير العنوان الفرعي للكتاب.

النقطة المركزية التي يتم التأكيد عليها في مساهمات هذا الكتاب مبدئيا تتمثل في اعتبار أن فرنسا وألمانيا تشكلان اليوم المحرك الرئيسي في مسيرة التوحيد الأوروبي المتجسّدة في قيام الاتحاد الأوروبي. كما يتم التأكيد على أن الولايات المتحدة الأميركية كانت لعقود طويلة تمثّل دور الحامي لألمانيا في أوروبا ولكنها أصبحت بعد سقوط جدار برلين وإعادة توحيد الأمة الألمانية تمثل قوة مقابلة لها في القارة القديمة والنقطة الأخرى التي يتم التأكيد عليها هي القول أن العلاقات الفرنسية-الألمانية كان لها باستمرار تأثيرا كبيرا على العلاقات الألمانية-الأميركية. وتتم على مدى صفحات هذا الكتاب، وبأشكال مختلفة، مناقشة سلسلة من الأحداث والتطورات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية التي عرفتها علاقة هذه الأطراف الثلاثة المعنية بالمثلث الاستراتيجي.

وليس فقط علاقاتها فيما بينها وإنما أيضا مع مؤسسات دولية معنية مباشرة مثل منظمة شمالي الحلف الأطلسي (النيتو) وكذلك مع الاتحاد الأوروبي. وهناك بعض نقاط الاهتمام الأخرى تتمثل في دراسة «أزمات الحلف الأطلسي» و«انهيار منظومة بروتن وود» و«سياسات الوفاق» و«نهاية الحرب الباردة».

ومن المحاور الأساسية التي تهتم فيها الصفحات الأخيرة في الكتاب البحث في آليات تشكل المثلث الاستراتيجي بعد الحرب العالمية الثانية ويخص الفصل الأخير «المثلث الاستراتيجي» بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001«.

وتتمثل الخطوط العريضة للشروح المقدّمة بالقول أن حالة من الصفاء الظاهري قد سادت عموما في تحالف باريس برلين- واشنطن. هذا التحالف الذي قام عمليا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ومشاركة الجنود الأميركيين في الحرب إلى جانب قوات الحلفاء لدحر النازيين.

ويتم التأكيد على وجود ركائز كان لها باستمرار دورها الفاعل في تحديد طبيعة العلاقات داخل المثلث الاستراتيجي. وتتمثل في القول أن العلاقات الفرنسية-الأميركية، باتجاه تردّيها أو باتجاه تحسّنها، كان لها دائما تأثيرها المباشر على السياسة الألمانية.

هكذا مثلا عندما ساءت العلاقات الأميركية الفرنسية خلال سنوات الستينات والسبعينات المنصرمة على قاعدة قرار الجنرال شارل ديغول سحب بلاده من البنى العسكرية للحلف الأطلسي، وجدت ألمانيا نفسها أمام خيار مستحيل بينما هي تريد المحافظة على علاقات وطيدة بين الجانبين.

بالمقابل تميّزت فترات التقارب السياسي الفرنسي-الأميركي بتقلّص هامش حركة ألمانيا. ومثل هذه المعادلة انعكست عمليا بعد سقوط جدار برلين وإعادة توحيد الأمة الألمانية حيث أصبحت ألمانيا عمليا، لاسيما في السنوات الأولى لإدارة كلينتون، هي الشريك الاستراتيجي للولايات المتحدة في أوروبا. بالتالي سعت فرنسا آنذاك كي تشكل ثقلا مقابل ألمانيا الموحّدة.

ويتم التأكيد في هذا السياق على فكرة أن ألمانيا لم تكن تريد قبول أي دور ل«الزعامة» أو لتحمّل مسؤوليات على الصعيد الدولي، على أساس أنها لم تكن مهيّأة لمثل ذلك الدور. وانتهجت بالمقابل سياسة ترمي إلى التكامل مع الحلف الأطلسي وبنفس الوقت تدعيم مسيرة التوحيد الأوروبي.

وقد قامت آنذاك المبادرة المشتركة ل«هيلموت كول» و«فرانسوا ميتيران» عام 1990 من أجل تعزيز الاتحاد الأوروبي، وكانت النتيجة هي توقيع اتفاقية «مستريخت» التي شكّلت أحد المحطات الأساسية في البناء الأوروبي الموحّد.

وضمن نفس المنطق الذي حكم العلاقات داخل «المثلث الاستراتيجي» وجدّت ألمانيا نفسها مهمّشة عندما سعى الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك إلى التقارب مع الولايات المتحدة في منظور تعزيز الدعامة الأوروبية للحلف الأطلسي وبناء جيش محترف وجعل أوروبا قادرة على المساهمة في عمليات التدخل في القارة الأوروبية بل وفي مناطق العالم الأخرى.

لقد فقدت ألمانيا آنذاك إلى حد كبير دورها ك«وسيط» بين أميركا وفرنسا، هذا خاصة أن الولايات المتحدة اعتبرت أن ألمانيا قد أخفقت في القيام بالمهمات المطلوبة منها أثناء النزاع في يوغسلافيا السابقة وأنها لم تأخذ المسؤوليات الدولية المعادلة لوزنها السياسي .

هكذا وبعد فترة الحماس التي عرفتها العلاقات الأميركية ـ الألمانية بعد نهاية الحرب الباردة حلّت فترة من التراجع على خلفية رأي أميركي قائل أن ألمانيا قد فقدت من أهميتها كشريك على المسرح الدولي.

وكانت الولايات المتحدة قد غيّرت الكثير من توجهاتها وروايتها الاستراتيجية لدورها في العالم بعد نهاية المواجهة بين الغرب والشرق وأولت اهتمامها الرئيسي للمسائل الأميركية الداخلية ولتعزيز قوتها في منظور حماية مصالحها الاقتصادية والسياسية.

وهكذا تبنّت استراتيجية مزدوجة تقوم على حريّة التجارة على الصعيد الاقتصادي ولعب دور الشرطي في العالم لفرض هيمنتها على الصعيد السياسي. بنفس الوقت أصبحت لا تكتفي من حلفائها ب«مواقف سياسية» وإنما بالدعم الفعلي.بالتوازي تبنّت ألمانيا رؤية جديدة بعد أن تحقق التوحيد وانتهى التهديد ، ورفعت بالتالي شعار تعددية الأقطاب في العالم .

الأمر الذي كانت ترجمته الواقعية هي رفض أن تكون مجرّد دافع للأموال مثلما كان الأمر أثناء حرب الخليج الأولى عام 1991. بل شاركت في عمليات على الأرض في الصومال ويوغسلافيا وغيرهما.

المساهمون في سطور

المشرفون الرئيسيون على هذا الكتاب هم أختصاصيون بالتاريخ المعاصر وبالعلوم السياسية في البلدان الثلاثية المعنيّة ب»المثلث الاستراتيجي« أي ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية. هيلغا هافتندورن، أستاذة للعلاقات الدولية في جامعة برلين الحرّة ومديرة سابقة لمركز السياسة الخارجية والأمن عبر الأطلسي في نفس الجامعة. ويعمل المشرف الآخر جورج هنري سوتو أستاذا للتاريخ المعاصر في جامعة السوربون. أما ستيفن ف. زابو فهو أستاذ الدراسات الأوروبية في معهد الدراسات الدولية بجامعة جون هوبكنز.

ما بعد الحرب الباردة

كانت الولايات المتحدة قد غيّرت الكثير من توجهاتها وروايتها الاستراتيجية لدورها في العالم بعد نهاية المواجهة بين الغرب والشرق وأولت اهتمامها الرئيسي للمسائل الاميركية الداخلية ولتعزيز قوتها في منظور حماية مصالحها الاقتصادية والسياسية. وهكذا تبنّت استراتيجية مزدوجة تقوم على «حريّة التجارة» على الصعيد الاقتصادي ولعب دور «الشرطي» في العالم لفرض هيمنتها على الصعيد السياسي. بنفس الوقت أصبحت لا تكتفي من حلفائها ب«مواقف سياسية» وإنما بالدعم الفعلي.

الكتاب: المثلث الاستراتيجي

تأليف : هيلغا هافتندورن واخرون

الناشر: جامعة جون هوبكنز 2007

الصفحات: 432 صفحة

القطع: المتوسط

The strategic triangle

Helga Haftendorn and

John Hopkins University - 2007

P.432