تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام رئيسية تحمل العناوين التالية: الأدب كعنصر كاشف ويضم هذا القسم ثلاثة فصول هي بالتتالي: الآداب ما بعد الاستعمارية المقارنة و التعلق الأعمى باللغة مثل مخلوق مقيّد وأخيرا: هل العالم الرحب يرتسم فيما هو أبعد من الاستعمار ؟

ويخص القسم الثاني: استيراد الدراسات ما بعد الاستعمارية وذلك عبر فصلين يهتم الأول منهما ب»المشروع النقدي للدراسات ما بعد الاستعمارية بينما يعالج الثاني وعود ما بعد الاستعمار. وعنوان القسم الثالث هو الاستمرارية ما بعد الاستعمارية بفصلين أولا هما: فرنسا ما بعد الاستعمارية و ثورة مجهضة قدمّ لهذا الكتاب عالم الاجتماع الفرنسي جورج بالاندييه ، ويتم التأكيد منذ البداية أن الاهتمام الكبير في النقاشات الفرنسية بالدراسات ما بعد الاستعمارية ترافق ب«شيء من سوء الفهم». وتتم إعادة هذا إلى كون أن الذين شرعوا بالخوض في ميدان الدراسات ما بعد الاستعمارية هم من الباحثين الذين يكتبون باللغة الانكليزية والذين جعلوا من هذا المشرب حقلا معرفيا قائما بذاته .

وبدا أن الاهتمام الفرنسي المتأخر به جاء كي يبرز إصرار فرنسا على إهمال الواقع ما بعد الاستعماري . بل إنه إهمال متعمّد عن سابق إصرار وتصميم لتجنب الخوض في الماضي الاستعماري وبالتالي تجنّب التعرّض للاتهام وللخوض في مسألة قد تكون خطيرة على التلاحم الوطني .وما يتم التأكيد عليه أيضا هو أن قلّة قليلة من الفرنسيين، وبما فيهم المثقفين، قد تعرّفوا بشكل حقيقي وعميق على الدراسات ما بعد الاستعمارية «الانكلوسكسونية».

من هنا يأتي هذا الكتاب كي يسد ثغرة معرفية حيث يقدم المساهمون فيه شروحا عديدة ومتنوعة، و متناقضة أحيانا، للتعريف بتلك الدراسات وآليات تكوّنها ومسارها التطوّري ورموزها الرئيسيين ومفاهيمها الأساسية والإشكاليات التي طرحتها.

هذا كله يبرر العنوان الفرعي للكتاب القائل: الدراسات ما بعد الاستعمارية في النقاشات الفرنسية .المفكران الراحلان فرانز فانون وادوار سعيد هما من بين الرموز الأساسية التي يتم التعرّض لها كثيرا في هذا الكتاب.

أما الموضوع الأساسي للدراسات ما بعد الاستعمارية فيتمثل في تقديم توصيفات للأوضاع القائمة في العالم ما بعد الاستعماري والآثار التي خلّفها الاستعمار في المناطق التي كان قد ساد فيها ولفترات طويلة أحيانا بحيث يتم تحديد مدتها بالقرون أو على الأقل بالعقود.

بتعبير آخر تهتم هذه الدراسات ب«المستعمرات القديمة» وطبيعة العلاقات القائمة بينها وبين القوة الاستعمارية السابقة في ميادين متنوعة تشمل المبادلات الاقتصادية والمساعدة على صعيد التنمية والتعاون السياسي. أما السمات الغالبة على هذه العلاقات فهي تتميز بسيادة نوع من النزعة لدى المستعمرين السابقين نحو انتهاج سياسات «استعمارية جديدة» إلى جانب عدم التكافؤ في المبادلات بشتى الميادين.

بالإضافة إلى وجود نزعة تدخّلية تصل إلى محاولة فرض نوع من نمط الدول المستوردة . وتهتم بعض مساهمات هذا الكتاب بجانب تأثير الإرث الاستعماري على القوى الاستعمارية نفسها في فترة ما بعد الاستعمار.

هذا الإرث الاستعماري ولّد ما أسماه بعض الباحثين ب«الشرخ الاستعماري». ذلك أنه في الوقت الذي يطالب فيه البعض بضرورة الاعتراف بالدور السلبي الذي لعبه الاستعمار بالنسبة للشعوب التي خضعت له، وبالتالي ضرورة «الاعتذار» لها، فإن هناك آخرين يؤكدون على ضرورة إبراز «الجانب الإيجابي» للاستعمار، ولاسيما فيما يخص «المهمة الحضارية» التي قام بها.

بكل الحالات تتم الإشارة إلى أن العديد من الدراسات ما بعد الاستعمارية حاولت دراسة المجتمعات المعنية من خلال «الإرث الاستعماري» تحديدا.إن مساهمات القسم المكرّس ل«الآداب ما بعد الاستعمارية» تحاول الكشف عن المنظور الاستعماري الذي تضمنّته أعمال أدبية، وخاصة روائية، غربية.

وإنما «غير المعترف بها». وهذا شكّل مرحلة أولى في مجال «الدراسات ما بعد الاستعمارية». ويتكرر في هذا الإطار ذكر الدور الذي قام به الراحل ادوار سعيد في «التنقيب» عن الآثار الاستعمارية في الآداب الغربية.

ويتم تقديم أولئك الذين اهتموا عامة بعملية التنقيب تلك أنهم من الذين هاجروا «حديثا» إلى الغرب أو من أبناء الجيل الثاني، الذين أنجزوا دراساتهم في أكبر الجامعات الأوروبية الأميركية وأتقنوا بذلك الاعتماد على مناهج البحث الحديثة.

وأتقن الروائيون من هؤلاء أيضا تقنيات البناء الروائي أو الشعري الغربية والتي ظهرت في أعمالهم ذات المضامين المتعلقة، بهذه الدرجة أو تلك، بما خلفته الحقبة الاستعمارية، خاصة ضرورة البحث عن الهوية .

ومن المساهمات الملفتة للانتباه في هذا السياق تلك التي يقدمها الباحث «اليكسيس ترادييه» تحت عنوان «الرواية الهندية باللغة الانكليزية».

ولكن يبقى كتاب الاستشراق لإدوار سعيد الصادر عام 1978 بمثابة مرجعية أساسية في هذا الميدان، ولا تتردد ماري كلود سموت، المشرفة على هذا الكتاب، بوصف كتاب «اختراع إفريقيا» لمؤلفه فالانتان أيف موديمبي أنه بمثابة التابع الإفريقي لكتاب «الاستشراق لمؤلفه ادوار سعيد».

المؤلفة في سطور

تعمل ماري كلود سموت المشرفة الرئيسية على إنجاز هذا الكتاب مديرة للأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، وذلك تحديدا في إطار نشاطات الدراسات والبحوث الدولية في ميدان العلوم السياسية. وضمن إطار هذه النشاطات جرى عقد الندوة المكرّسة للدراسات ما بعد الاستعمارية في شهر مايو من عام 2006 والتي يمثل هذا الكتاب «ثمرة» لها.

دور المهاجرين

يتم تقديم أولئك الذين اهتموا عامة بعملية التنقيب تلك أنهم من الذين هاجروا حديثا إلى الغرب أو من أبناء الجيل الثاني، الذين أنجزوا دراساتهم في أكبر الجامعات الأوروبية الأميركية وأتقنوا بذلك الاعتماد على مناهج البحث الحديثة. وأتقن الروائيون من هؤلاء أيضا تقنيات البناء الروائي أو الشعري الغربية والتي ظهرت في أعمالهم ذات المضامين المتعلقة، بهذه الدرجة أو تلك، بما خلفته الحقبة الاستعمارية، خاصة ضرورة البحث عن الهوية .

الكتاب: الوضع ما بعد الاستعماري

تأليف: ماري كلود سموت وآخرون

الناشر: مطبوعات العلوم السياسية باريس 2007

الصفحات: 451 صفحة

القطع: المتوسط

La situation postcoloniale

Marie Claude Smouts et

Sciences Politiques

Paris 2007

P.451