سديغول ـ بيتان، تصفية الحساباتء كتاب يتناول صفحة من التاريخ الفرنسي منذ بداية الحرب العالمية الثانية وحتى محاكمة المارشال بيتان وإصدار عقوبة الإعدام بحقه. والرجلان يمثلان وجهين متناقضين لموقف فرنسا حيال الاحتلال النازي.
فإذا كان المارشال بيتان هو «رمز» التعاون مع الاحتلال فإن الجنرال ديغول هو رمز المقاومة ضد ذلك الاحتلال، إنه صاحب النداء الشهير الذي أطلقه من الإذاعة البريطانية بلندن حيث كان قد التجأ هاربا من بلاده، أي نداء 18 يونيو 1940 الذي حثّ فيه الفرنسيين للمقاومة والالتحاق به عبر الانخراط في جيش فرنسا الحرّة .
ويركز المؤلف على القول بوجود «علاقات تناحرية» وبنفس الوقت في غاية «التعقيد» و«التكامل» بين هذين العسكريين «المارشال والجنرال» اللذين كان يوحدهما الزي العسكري ومستلزمات «خدمة العلم» وإنما اللذين كان مصيراهما على طرفي نقيض. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن الجنرال ديغول كان قد ترقى إلى مركز قائد وحدة عسكرية خاصة من النخبة عندما كان عمره ستة وثلاثين سنة فقط وكان ذلك بتوصية من المارشال بيتان نفسه.
لكن مسارهما اللاحق فرّق بين دربيهما ليصبح أحدهما «بطلا» للتحرير بينما يغدو الآخر «خائنا» للوطن ثم تجري محاكمته والحكم عليه بالإعدام بناء على ذلك الاتهام. لم ينفّذ ذلك الحكم وإنما أمضى بقية حياته في اليمن. تلك العلاقة المعقدة والطريق في اتجاهين متعاكسين جعل المارشال بيتان والجنرال ديغول بمثابة أخين عدوّين .
وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن المارشال بقي يكنّ مشاعر الود حتى النهاية حيال الجنرال ديغول. وينقل عنه أمام القس الذي زاره في السجن الذي بقي فيه لفترة من الزمن في منطقة البيرينيه في خريف عام 1945 بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بعد إدانته بـ «الخيانة العظمى» والتعاون مع العدو قال: هناك من يهتم بأمري، ولن يتخلّى عني مسؤول كبير عالب المنصب.
وأعرف أن الجنرال ديغول، تلميذي السابق، سوف يفعل كل ما في وسعه من أجل التلطيف بالمصير الذي أواجهه . على مثل هذه الخلفية بدأ لمؤلف الكتاب أن المارشال، ورغم التعارض الكبير مع الجنرال ديغول، كان يحمل له بعض المشاعر الطيبة.
والجنرال ديغول من جهته، ومع تأكيده باستمرار على الإدانة الشديدة لهدنة عام 1940 بين الجيش الغازي النازي والسلطات الفرنسية التي مثّلتها حكومة فيشي برئاسة المارشال بيتان، حاول باستمرار، أي الجنرال، أن يحافظ على موقف عادل حيال رئيسه السابق.
هذا ما يدل عليه ما قاله عام 1966 بمناسبة الذكرى الخمسين لمعركة «فيردان» الشهرية التي قُتل فيها الآلاف من الفرنسيين أثناء الحرب العالمية الأولى والتي كان بيتان هو القائد العسكري الذي قاد القوات الفرنسية إلى الانتصار فيها.
وجاء فيه: إذا كان المارشال بيتان قد اقترف لسوء الحظ وفي سياق آخر من حياته بعض الخطايا المُدانة قطعا، فإن الأمجاد التي حققتها في فيردان قبل خمسة وعشرين سنة في فيردان عبر قيادته الجيوش الفرنسية إلى النصر لا يمكن للوطن أن يفكرها ويدير ظهره لها.
وإذا كانت قصة الثنائي بيتان ـ ديغول موضوع سلسلة طويلة من الدراسات والكتب والأعمال الوثائقية التلفزيونية وغيرها، فلعل هذا الكتاب بقلم كاتب أميركي يستطيع أن يأخذ مسافة ما عن الأحداث استطاع أن يقترب كثيرا من سيرة حياة بطليه والتي كان الخوض فيها عامة معرّضا للانفعالات الوطنية أو للانتماءات الإيديولوجية .
إن المؤلف يعود في حديثه عن علاقة هذا الثنائي الشهير إلى عام 1912، أي إلى قبل عامين من اندلاع الحرب العالمية الأولى. ففي تلك السنة كان المارشال هو قائد القطعة العسكرية التي جرى فرز الضابط الشاب شارل ديغول إليها. ويتم وصف ذلك اللقاء أنه كان حميما واستطاع الرئيس أن يثير إعجاب المرؤوس .
وعلى الرغم من الخلاف الكبير بين منشأ كل منهما والوسط الفلاّحي البسيط لبيتان والوسط المديني المتعلم لديغول، فإن جوّا من التعاطف ساد بينهما دون أية شائبة على خلفية عدم تقليدية كل منهما. ويؤكد مؤلف هذا الكتاب أن ديغول قد وجد في مناسبات عديدة العون الكبير لدى المارشال بعد الحرب العالمية الأولى.
بوادر الخلاف بين الرجلين بدأت على قاعدة اهتمامهما بالأدب وحيث إن المارشال أراد أن يكون الرجل الذي يأمر فـ «يطاع» بينما أصرّ ديغول على أن يكون إنسانا حرا وأن يتم الاعتراف بعمله . ثم كانت القطيعة الكبرى في شهر يونيو 1940 في مواجهة لا هوادة فيها حول الموقف حيال الاحتلال النازي.
ويشرح المؤلف على مدى العديد من الصفحات الظروف التي تولّى فيها المارشال بيتان رئاسة حكومة فيشي بعد الهزيمة العسكرية التي مُنيت بها فرنسا عام 1940 وتوقيع الهدنة بين فرنسا وألمانيا النازية والتي كان المارشال قد أعلن موافقته عليها حتى قبل توقيعها. وكانت الجمعية الوطنية قد اقترعت لصالح منح بيتان كامل السلطات من أجل تزويد البلاد بدستور جديد.
وعندما أصبح المارشال رئيسا للدولة الفرنسية اختار التعاون مع النظام الهتلري وبقي في السلطة حتى شهر أغسطس من عام 1944 حيث اقتاده الألمان معهم لكنه قام بتسليم نفسه للسلطات الفرنيبة «الحرّة» حيث بدأت محاكمته في خريف عام 1945 وصدر بحقه حكم بالإعدام ثم عفي عنه لكنه بقي سجينا في جزيرة «يو» الصغيرة حتى وفاته عام 1951. هذا بعد أن كان قد جرى تجريده من عضوية الأكاديمية الفرنسية ليبقى كرسيه فيها شاغرا طيلة حياته.
من الملاحظ أن مؤلف هذا الكتاب يقدم توصيفا كاملا لشخصيتي الجنرال شارل ديغول وللمارشال فيليب بيتان ولعلاقتهما بعيدا عن أي تسلسل تاريخي لمسيرتي حياتهما وإنما عبر مجموعة من اللوحات المتناثرة التي تتكامل فيما بينها لتصنع مشهدا منسجما وغاية في الوضوح لسلوكية أخين عدوّين في مواجهة تاريخ بلادهما. وصفحة مركزية من تاريخ فرنسا الحديث عبر تصفية الحسابات بين قائدين وحّدتهما الحرب العالمية الأولى وفرّقتهما الثانية باتجاه السلطة والمجد لأحدهما والسجن حتى الموت للآخر.
المؤلف في سطور
هربرت لوتمان هو أحد المؤرخين الانجلوسكسون الذين جعلوا من التاريخ الفرنسي والثقافة الفرنسية مركز اهتمامهم الرئيسي، وكان قد قدّم العديد من سير حياة الشخصيات السياسية والأدبية الفرنسية التي كان لها شأنها في التاريخ المعاصر لبلادها. وهكذا قدّم سيرة حياة «البير كامو» و«غوستاف فلوبير»، وكان أول من كتب سيرة حياة «المارشال بيتان» بالاعتماد على الأراشيف الخاصة لحكومة فيشي التي تعاونت مع الاحتلال النازي أثناء الحرب العالمية الثانية.
من الخلاف إلى القطيعة
بوادر الخلاف بين الرجلين بدأت على قاعدة اهتمامهما بالأدب وحيث إن المارشال أراد أن يكون الرجل الذي يأمر ف«يطاع» بينما أصرّ ديغول على أن يكون إنسانا حرّا وأن يتم الاعتراف بعمله . ثم كانت القطيعة الكبرى في شهر يونيو 1940 في مواجهة لا هوادة فيها حول الموقف حيال الاحتلال النازي.
الكتاب: ديغول ـ بيتان، تصفية الحسابات
تأليف: هربرت لوتمان
الناشر: بيران باريس 2008
الصفحات: 235 صفحة
القطع: المتوسط
De Gaule-Pétain، règlement de comptes
Herbert Lottman
Perrin - Paris- 2008
P.235
