من الواضح أن هناك شيئاً ما في الرياضيين المحترفين الباحثين عن الخلاص يخاطب الروائي الأميركي الشهير جون غريشام، فنحن نعلم أنه في الكتاب الأول غير الإبداعي الذي ألفه بعنوان «البريء» الصادر في عام 2006 روى قصة آسرة عن لاعب كرة بيسبول سابق يدعى رون وليامسون أدين بطريق الخطأ بعد توجيه الاتهام له بارتكاب جريمة قتل.
وفي نهاية المطاف برهن دليل مستمد من الحمض النووي على أنه بريء تماماً من التهمة التي أدين بها، ولكن ذلك حدث بعد أن أمضى سنوات طويلة من عمره بين جدران السجن. ومن خلال رواية «اللعب من أجل البيتزا» يعود غريشام إلى عالم الإبداع، ولكنه يركز على رياضي آخر شهد أياماً أفضل، حيث نجد أن الحياة المهنية للظهير الربعي ريك دوكري الذي لعب في إطار الدوري الوطني لكرة القدم الأميركية يضم كل عناصر المأساة لكن ما يقدمه لنا غريشام هو في الواقع رواية كوميدية على نحو طريف تتضمن سعياً وراء الخلاص، حيث يؤدي ما قدمه دوكري من أداء سيئ إلى إصدار فرصة نادرة أتيحت لناديه انتزاع البطولة.هكذا يستيقظ دوكري في أحد مستشفيات كليفلاند صبيحة يوم اثنين بعد المباراة العتيدة، وبسبب ارتجاج المخ الذي أصيب به، فإنه لا يتذكر شيئاً عن أدائه في المباراة، ولكن وكيله، أرني، سرعان ما يصل ليذكره بما حدث.
فبعد أن كان فريق براونز الذي يلعب دوكري في صفوفه متقدماً كثيراً على الفريق المنافس أطاح دوكري بثلاثة اعتراضات، وسمح لفريق دينفر برونكوس بالتعادل ثم بالفوز بالمباراة والبطولة. وثارت أجهزة إعلام كليفلاند، وتظاهر المشجعون أمام المستشفى على أمل أن يطبقوا على عنق دكوري. وباختصار، فإن بطل غريشام قد هوى إلى القاع.بادر فريق براونز إلى انهاء عقد دوكري، ولم يبد أي فريق آخر في الدوري الوطني لكرة القدم الأميركية استعداده للتعاقد معه.
ويعرف غريشام عن كثب عقلية الرياضيين المحترفين بحيث يدرك أن دوكري لا يمكنه الإقلاع عن احتراف كرة القدم الأميركية، فهي في نهاية المطاف كل ما يعرفه في الحياة، ومن هنا فإنه يطلب من وكيله أن يبحث عن عقد في أي مكان، ومن هنا تبدأ الكوميديا في رواية غريشام. غريشام راوٍ للقصص يعرف كيف يبقي على سرده متدفقاً بإيقاع سريع، ولديه ميل كذلك إلى الحوار الفكاهي المفعم بالهزل والمرح.
وهكذا فإننا نتابع الوكيل أرني وهو يتصل بعميله العاطل ليخبره بالعرض الوحيد المتاح له فيقول ببساطة أقرب إلى روح السوريالية: «استمع إليّ يا ريك، فهود بارما»! يصاب دوكري عندئذ بالذهول، ويرد قائلاً: أوكي، يا أرني، أعذرني على الضرر الذي أصاب دماغي، ولكن لم لا تقول لي أين تقع بارما على وجه الدقة؟ . إنها بلدة في شمال إيطاليا. ويبادر دوكري اليائس إلى الذهاب إلى هناك للعب.
يعرض غريشام دوكري لكل الصدمة الثقافية والكوميديا الناشئة عنها التي قد يرغب فيها القراء، حيث يستيقظ ذات صباح ليجد نفسه على نحو لا سبيل إلى تفسيره في سجن شرطة بارما. وبدلاً من أن يجد القارئ نفسه أمام مشهد كافكاوي، فإنه يتابع غريشام وهو يختتم هذا الجزء من الرواية بتقديم دوكري إلى بديله الذي يدعى فرانكو، وهو ليس لاعباً فحسب، وإنما هو قاض مرهوب الجانب.
ربما ليس من المدهش أن يقع دوكري تدريجياً في حب إيطاليا وزملائه في الفريق، وهو يستمتع بأروع أنواع الباستا والمشروبات التي تذوقها طوال حياته، ويستمتع بلعب كرة القدم الأميركية في إيطاليا المولعة بكرة القدم التقليدية، ويقع في حب مغنية أوبرا جميلة تدعى جابريلك، ويعيش حياة اجتماعية مرحة مع زملائه في الفريق الذين يمارسون اللعبة كهواية محببة لديهم.
وعلى الرغم من بدايته غير الواثقة في اللعب، فإنه يلعب بصورة جيدة.ويلقي غريشام الضوء على تحول دوكري، فهو عندما يتم إبعاده عن الضغوط التي كان يتعرض لها من جراء اللعب في الدوري الوطني يستعيد شغفه باللعبة، وعندما يقدم فريق كندي عرضاً له أفضل من الناحية المالية، فإنه يرفضه.
وبعد أن يمضي بنا غريشام بصورة مسلية في قلب الثقافة الفرعية لكرة القدم الإيطالية، فإن فريق بارما يصل إلى اللعب على مستوى ال«سوبر باول». وقرب نهاية البطولة، ومع احتياج فريق بارما إلى جهد إضافي للفوز فإن دوكري يندفع لا لشيء إلا ليجد مدافعا عملاقاً يطارده ولكنه يرصد متلقيا من فريق بارما في موقع مثالي فيمرر إليه الكره.
وشأن العديد من أعمال غريشام التي احتلت صدارة قوائم أفضل الكتب مبيعاً، فإن رواية «اللعب من أجل البيتزا» قد حظيت بحماس هائل فور صدورها بالتزامن من الولايات المتحدة وانجلترا. ها هي مطبوعة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة تؤكد لنا أن رواية غريشام الجديدة تقدم لنا رحلة الخلاص الصعبة والممتدة التي يقطعها رياضي محترف.
ويتألف المؤلف في تقديم حبكة رائعة وفي أوصاف مدهشة لمختلف جوانب الحياة في إيطاليا، وبخاصة المطبخ الإيطالي، بحيث إنه قد لا يكون من المدهش أن يسارع القارئ مع الانتهاء من الرواية إلى أقرب مطعم إيطالي.
وتقول صحيفة «يو.إس.إيه توداي» عن هذه الرواية »يتحمس المعجبون بجون غريشام لروايات الإثارة القانونية التي يقدمها، ولكنه بين الحين والآخر يقدم لنا شيئا غير متوقع. وهذا هو على وجه الدقة ما يفعله بنجاح كبير في رواية «اللعب من أجل البيتزا». وتقول مجلة «بيبول» عنها إنها رواية مدهشة .
في المستشفى
«كان فراشاً في مستشفى، بدا هذا القدر مؤكداً، وذلك على الرغم من أن التأكد كان يذهب ويجيء. كان ضيقاً وصلباً، وكانت هناك حواجز جانبية معدنية تحول دون مغادرته. كانت الأغطية عادية وباهرة البياض ومعقمة. كانت الغرفة مظلمة، ولكن ضوء الشمس كان يحاول التسلل عبر الستائر المسدلة على النافذة.
أغمض عينيه مجدداً. وحتى ذلك كان مؤلماً، وللحظة طويلة صامتة أو نحو ذلك أفلح في إبقاء جفونه بعيدة بعضها عن البعض الآخر، وركز انتباهه على غرفته الصغيرة المضببة. كان يرقد على ظهره، وقد ثبتته بإحكام أغطية السرير المشدودة فوقه. ولاحظ أنبوباً متدلياً إلى يساره، ثم يختفي في مكان ما وراءه. كان هناك صوت في البعيد، في الرواق. ثم ارتكب الخطأ المتمثل في محاولة التحرك، مجرد مواءمة صغيرة لرأسه، ولم يفلح ذلك، بل اندلعت صواعق من الألم في جمجمته وعنقه فتأوه بصوت عال».
الكتاب: اللعب من أجل البيتزا
تأليف: جون غريشام
الناشر: ديل، نيويورك، 2008
الصفحات: 320صفحة
القطع: المتوسط
Playing for pizza
John grisham
Del,n.y,2008
P.320

