بادر موقع «بارنز أند نويل» المتخصص في عروض الكتب إلى إجراء هذه المقابلة مع الروائي الأميركي جون غريشام بمناسبة صدور روايته «اللعب من أجل البيتزا» التي تخرج تماماً عن إطار رواياته المندرجة في فئة الإثارة القانونية.
حيث تقتحم عالم رياضة الكرة الأميركية، فبادر إلى الإشارة إلى المصادر التي استمد منها إلهامه لدى تأليف هذه الرواية ومنهاج البحث الذي اعتمده في إنجازها، وتطرق إلى اهتماماته السياسية، منتقداً الحرب الأميركية في العراق، وجدد الهجوم على النظام القانوني الأميركي الذي يسفر تطبيقه في الكثير من الأحيان عن إنزال عقوبات صارمة بساحة الأبرياء. وفيما يلي نص الحوار:
تبدو كرة القدم الأميركية في إيطاليا موضوعاً أبعد ما يكون عن أن يكون مادة محتملة لرواية من تأليف جون غريشام. فما هو عنصر الإلهام الذي كان من وراء رواية «اللعب من أجل البيتزا»؟
قبل ثلاث سنوات، عندما كنت في بولونا أجرى أبحاثاً حول كتاب «الوسيط» اكتشفت كرة القدم الأميركية. وكان أحد المرشدين لي في المنطقة يلعب كرة القدم لصالح فريق «محاربي بولونا» على امتداد عشر سنوات. ولم أستطع تصديق أن كرة القدم الأميركية موجودة هناك، ولكنني كلما سمعت عنها ازددت اهتماماً بها.
بمناسبة الحديث عن عملية البحث، فإنك تكتب بحب عن الطعام الإيطالي في هذا الكتاب. ما هي فكرتك عن الوجبة الإيطالية المتكاملة؟
اللون الأول من الطعام هو البروسيكوتو والبطيخ. واللون الثاني هو التورتيليني المحشو، أما اللون الثالث فهو الديك المخصي المحمر، وهذه الألوان جميعها تقدم مع مشروع البارولو المتميز.
من دون الكشف مسبقاً عن الكثير من جوانب حبكة روايتك، فإن البطل يقع في الحب في نهاية الرواية. هل كنت تعرف عندما بدأت تأليفها أن هذا هو ما سيحدث؟
بالطبع
تعكف الآن على إنجاز رواية إثارة قانونية جديدة ستصدر عما قريب، فهل يمكنك تقديم بعض التلميحات إلى ما ستكون عليه وما يمكننا توقعه؟
لست أحب حقاً الحديث عن كتاب إلى أن أفرغ منه. فمعذرة. ولكنه لن يكون كتاباً آخر خارج نطاق العمل الإبداعي، ولن يكون عن كرة القدم، بل سيحفل بالكثير من المحامين.
لماذا الكثير من النشاط السياسي في حياتك الآن؟ يبدو أنك تتحدث عن السياسة بصورة أكبر.
نعم
إنك تتحرك سياسياً بنشاط وتكتب بصورة أكبر عن السياسة. وهو شيء حافل بالمخاطرة بالنسبة لكاتب، لأن قراءك قد لا يتفقون مع وجهات نظرك السياسية.
نعم، إنني أعرف ذلك، وأظنه يحفل بالمخاطرة. وأعتقد أننا جميعاً متورطون في السياسة، في ضوء استمرار الحرب. كيف يمكن ألا تكون متورطاً في السياسة؟ إننا حيال حرب سيئة تدور في العراق، والكثير من القضايا المطروحة اليوم هي قضايا سياسية. وقد قمنا في عام 2007 بشيء لم نقم به من قبل قط، فقد اجتزنا عاماً بأسره قبل الانتخابات وكان حافلاً بالنشاط السياسي.
والعام الجاري يمضي على النحو نفسه، وهذا معناه أننا نمضي عامين في غمار انتخاب رئيس جديد، وربما كان هذا هو ما ستجري عليه الأمور في المستقبل. وأعتقد أن المجتمع الأميركي لديه الآن شهية لا سبيل إشباعها إلى المزيد والمزيد من السياسة. ولدينا 24 ساعة كل يوم من الاستعراضات السياسية على الشاشات الصغيرة، وقد أصبح الجميع محللين سياسيين، أصبح كل شخص خبيراً، وهكذا فقد وقعنا في هذا الشرك.
سبق لك أن وصفت الحرب في العراق بأنها «مقيتة أخلاقياً» كيف ذلك؟
حسناً، لقد هاجمنا أمة ذات سيادة، لم تكن تهددنا. ماذا كان تبريرنا لذلك؟ لست أدري. لقد كذب قادتنا علينا. ولم يكن الأمر على نحو ما قالوا لنا. وقتلنا أعداداً من البشر تقدر بحوالي نصف مليون عراقي منذ بدء الحرب.لا يمكنك الحصول على رقم دقيق، فهو يتراوح ما بين 125 ألف نسمة إلى ستمئة ألف نسمة. مع ذلك فإن هذا يعني الكثير من الناس. وما كانوا ليلقوا حتفهم لو أننا لم نذهب إلى هناك.
كيف تخرج من هذا المأزق؟ لقد فقدنا أربعة آلاف جندي شجاع يحبون أميركا، وكان يمكن أن يواصلوا القتال حيثما أمروا بأن يقاتلوا لأنهم جنود. عشرات الألوف من حياة البشر المهدرة. ونحن لا نهتم بقدامى المحاربين عندما يعودون إلى الوطن، والتكلفة الاجتماعية لهذا ستكون هائلة.
وحشية الحرب ومعارك السياسة هي أبعد ما تكون عن روايتك «الدار ذات الطلاء» التي تحكي عن فتى صغير ينشأ في مزرعة قطن في ريف أركانساس. فلماذا كتب هذه الرواية؟ هل هي سيرة ذاتية؟
نعم، إنها شديدة الاتسام بطابع السيرة الذاتية إلى حد ما. وموقع الأحداث دقيق للغاية. فالسنوات السبع الأولى من حياتي أمضيتها في مزرعة قطن وأتذكر أن العاملين المكسيكيين في المزرعة كانوا يقيمون فوق مخزن الحبوب، وأتذكر لعب البيسبول مع جوان، حيث كنا نحمل الاسم نفسه، وأتذكر الفيضانات وفقدان المحاصيل. والدار الموجودة في الكتاب هي دار جدي. ونحن لم نكن نقيم معها، وإنما على مقربة منها.
وهكذا فإن هذا والجزء المتعلق بالكنيسة كانا المكانين اللذين مضيت إليهما وكانت أمي سيدة تنتمي إلى المدينة، حيث كبرت في بلاك أوك أما أبي فهو رجل ينتمي إلى الريف. ولكن الهيكل الاجتماعي في هذه البلدات الصغيرة كان مهماً للغاية. وقد دار عراك بينها وبين ابن لها يقطن في الريف.
والإهانة النهائية التي وجهت لأمي تمثلت في أن فتياتها الصغيرات قلن لها، حسب تعبيرها: نعم، ولكنك تعيشين في دار ذات طلاء ، بمعنى أنك نوع من السيدات المغرورات اللواتي ينتمين إلى المدينة لأن الدار التي تقيمين فيها مطلية. وقد كان ذلك واقعياً تماماً، وصحيحاً إلى حد بعيد، وكان هذا هو عنوان الرواية منذ البداية.
المؤلف في سطور
ولد الروائي الأميركي جون غريشام في 8 فبراير 1955 في جونسبور بولاية اركانساس، ودرس المحاسبة في جامعة ولاية ميسيسبي وتخرج من كلية أولى للحقوق في 1981، وعمل بالمحاماة عقداً من الزمان في ساوثهافن وتم انتخابه في عام 1983 عضو بمجلس النواب في ولاية ميسيسبي حتى عام 1990، وكتب في وقت فراغه من عمله بالمحاماة روايته الأولى «وقت للقتل» التي رفضها الكثير من الناشرين.
لكن دار وينوود أصدرتها في عام 1988 في طبعة متواضعة لا تتجاوز خمسة آلاف نسخة.كان يمكن لهذا النجاح المتواضع أن يضع نهاية لهواية غريشام، لكنه كان قد بدأ بالفعل في تأليف روايته التالية «الشركة» التي صدرت عام 1991 وجعلته يتفرغ للتأليف تماما، خاصة عندما تمكن من بيع حقوق اقتباسها لتصوير فيلم بالعنوان نفسه لقاء ستمئة ألف دولار دفعتها له شركة بارامون، وظلت مدرجة في قائمة أفضل الكتب مبيعاً في صحيفة «نيويورك تايمز» على امتداد 47 أسبوعاً متوالية.
قدم دفقاً من الروايات المندرجة في فئة الإثارة القانونية ترجمت إلى أكثر من 29 لغة وبيعت منها ربع مليار نسخة على امتداد العالم وحولت ست روايات منها إلى أفلام وأشهرها «وقت للقتل» و«الشركة» و «العميل» و «صانع المطر» و «الغرفة». وقدم مؤخراً روايته «اللعب من أجل البيتزا» التي تنقل القراء إلى عالم لعبة كرة القدم الأميركية.
كتب خارج الإطار الإبداعي كتابه «البريء» الذي هاجم فيه بضراوة النظام القضائي الأميركي الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى إدانة الأبرياء وإطلاق سراح مرتكبي الجرائم. كما كتب بنفسه السيناريو لفيلمين مقتبسين عن روايتين من إبداعه هما «ميكي» و «رجل الزنجبيل».
منى مدكور
